اقتصاد الظل يوسع نفوذه بصمت ويبتلع ملايين المغاربة

رغم مليارات الدراهم التي يضخها الاقتصاد الوطني ومعدلات النمو التي تسوقها المؤشرات الرسمية، ما يزال اقتصاد الظل يوسع نفوذه بصمت، مستقطباً ملايين المغاربة وآلاف المقاولات الصغيرة نحو فضاء خارج الرقابة والضرائب والحماية الاجتماعية، في واحدة من أكبر المفارقات التي تواجه النموذج الاقتصادي للمملكة.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأرقام عن تحسن الأداء الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، يحذر خبراء اقتصاديون من أن هذه الدينامية لم تنجح في تقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل بالشكل المأمول، معتبرين أن الإشكال يتجاوز مسألة تحقيق نسب نمو إيجابية، ويرتبط باختلالات هيكلية عميقة تجعل العمل خارج المنظومة الرسمية خياراً أكثر جاذبية بالنسبة لشريحة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين.

وكشف باحثون بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد أن الاقتصاد غير المهيكل ما يزال يحتفظ بحضور قوي داخل النسيج الاقتصادي الوطني، مستفيداً من تعقيدات إدارية ومالية، ومن محدودية الحوافز التي تشجع على الانتقال إلى الاقتصاد المنظم.

وتشير المعطيات إلى أن ما يقارب مليوني وحدة إنتاجية تنشط خارج الإطار الرسمي، تشتغل غالبيتها في قطاعي التجارة والخدمات، مع تمركز لافت داخل المدن الكبرى، وفي مقدمتها الدار البيضاء، ما يؤكد أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على أنشطة هامشية محدودة، بل أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي اليومي.

ورغم أن هذه الأنشطة تؤمن مورد رزق لمئات الآلاف من الأسر المغربية، فإن استمرارها خارج المنظومة القانونية يترتب عنه فقدان موارد جبائية مهمة، كما يحد من الإنتاجية ويؤثر على تنافسية الاقتصاد الوطني، فضلاً عن تكريس منافسة غير متكافئة مع المقاولات التي تلتزم بقواعد الاقتصاد المنظم.

ويرى الخبراء أن النمو الاقتصادي، مهما بلغت وتيرته، لن يكون كافياً وحده لإدماج هذا القطاع داخل الدورة الرسمية. ويستندون في ذلك إلى معطيات تفيد بأن الناتج الداخلي الخام للفرد تضاعف تقريباً بين سنتي 2000 و2021، بينما ظل تراجع التشغيل غير المهيكل محدوداً، ما يعكس محدودية تأثير النمو على البنية العميقة لسوق الشغل.

ويؤدي الاقتصاد غير المهيكل وظيفة معقدة داخل المجتمع المغربي؛ فمن جهة يشكل متنفساً لآلاف الشباب الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى فرص الشغل المنظمة، خاصة في ظل دخول نحو 400 ألف شخص سنوياً إلى سوق العمل، ومن جهة أخرى يساهم في توسيع دائرة الهشاشة الاجتماعية، من خلال حرمان العاملين من التغطية الاجتماعية والحقوق الأساسية المرتبطة بالعمل اللائق.

وفي المقابل، ورغم نجاح ورش الحماية الاجتماعية منذ سنة 2021 في استقطاب ملايين العاملين نحو المنظومة الرسمية، يؤكد الخبراء أن التحدي الحقيقي يتمثل في جعل الاقتصاد المنظم أكثر قدرة على الاستقطاب، عبر توفير مزايا ملموسة تفوق ما يتيحه الاقتصاد غير المهيكل.

ودعا الباحثون إلى إطلاق إصلاحات أكثر جرأة، تشمل تخفيف الضغط الجبائي على المقاولات الصغيرة جداً والصغرى، وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية، وتسهيل الولوج إلى التمويل والصفقات العمومية، بما يجعل الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي قراراً اقتصادياً مجدياً.

ويشدد التقرير على أن العاملين داخل الاقتصاد غير المهيكل لا يعارضون الاندماج من حيث المبدأ، وإنما يوازنون بين الكلفة والمردودية. فحين تكون الأعباء مرتفعة والحوافز محدودة، يصبح البقاء خارج المنظومة خياراً مفهوماً من منظور اقتصادي بحت.

وتخلص الدراسة إلى أن استمرار اتساع رقعة الاقتصاد غير المهيكل، رغم التحسن المسجل على مستوى النمو، يطرح أسئلة جوهرية حول فعالية السياسات الاقتصادية المعتمدة، ويؤكد أن معركة الإدماج لا يمكن أن تحسم بالأرقام وحدها، وإنما بإصلاحات تعيد بناء الثقة وتجعل الاقتصاد الرسمي أكثر جاذبية وقدرة على احتضان ملايين المغاربة الذين ما يزالون يشتغلون خارج حدوده.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك