الذكرى الـ27 لعيد العرش.. الرياضة المغربية تروي ملحمة وطن آمن بقدراته وانتزع مكانته بين الأمم

في الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، يقف المغرب أمام حصيلة رياضية صنعتها رؤية ملكية بعيدة المدى، نقلت المملكة من مربع المشاركة إلى موقع المنافسة، ومن انتظار الإنجاز إلى امتلاك شروط صناعته.

وخلف الأعلام التي ارتفعت في المحافل الدولية، والانتصارات التي هزت مدرجات العالم، تمتد قصة وطن بنى ثقته بهدوء، واستثمر في أبنائه، وأقام بنية رياضية حديثة، وحوّل الملاعب ومراكز التكوين والبطولات الكبرى إلى أدوات لتعزيز حضوره الدولي وترسيخ صورته دولةً صاعدة تعرف وجهتها وتمتلك إرادة الوصول إليها.

وتحمل ذكرى عيد العرش المجيد معنى وطنياً عميقاً، تلتقي فيه الذاكرة بالإنجاز، وتستعاد خلاله التحولات التي عرفتها المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس.

وتحتل الرياضة موقعاً بارزاً ضمن هذه التحولات، بعدما غدت عنواناً للثقة الوطنية، ورافعة للتنمية، ومساحة يعلن عبرها المغرب عن كفاءته وقدرته على الحضور بين القوى الرياضية الكبرى.

وقد تبدلت مكانة الرياضة في المغرب خلال العقود الأخيرة بصورة جذرية. فبدل حصرها في نتائج المنتخبات أو ألقاب الأندية، أُدرجت ضمن رؤية تنموية واسعة تتداخل فيها السياسات العمومية مع الاقتصاد والتعليم والتكوين والدبلوماسية والصناعة والسياحة والبنيات التحتية.

وأصبح النجاح الرياضي مرتبطاً بقدرة الدولة على بناء منظومة متماسكة تنتج الإنجازات باستمرار، وتؤهل أجيالاً جديدة من الرياضيين، وتوفر لهم التكوين والرعاية والمواكبة المؤسسية.

وجاء هذا التحول ثمرة مسار طويل من الإصلاحات والاستثمارات شمل مختلف مكونات القطاع، من تحديث الملاعب وإحداث مراكز التكوين وتأهيل الأطر، إلى تطوير الحكامة وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية وربطها بالتنمية البشرية.

ومع توالي الأعوام، اكتملت ملامح مشروع وطني جعل الرياضة المغربية تجربة تحظى بالتقدير، ورسخ حضور المملكة في المعادلات الرياضية الإقليمية والدولية.

وشكل الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم بقطر سنة 2022 تتويجاً لسنوات من البناء والعمل المتواصل. وقد حمل بلوغ نصف نهائي المونديال إعلاناً صريحاً عن ميلاد قوة كروية جديدة، تملك الثقة والجرأة والقدرة على مقارعة أعرق المدارس العالمية.

كما تجاوز أثر ذلك الإنجاز حدود المستطيل الأخضر، مقدماً صورة وطن يربط الإرادة بالتخطيط، ويمنح الاستثمار في الإنسان مكانة مركزية في مشروعه التنموي.

ومنذ مونديال قطر، أصبحت التجربة الرياضية المغربية محط اهتمام داخل المؤسسات الدولية. وواصلت المنتخبات الوطنية حضورها في أكبر المنافسات، ورسخت الأندية مكانتها قارياً، وحققت الرياضة النسوية تقدماً بارزاً، فيما حافظ أبطال ألعاب القوى والرياضات الفردية على وجودهم فوق منصات التتويج، بما يؤكد أن الإنجاز أصبح ثمرة منظومة تتطور بوتيرة ثابتة.

وتتميز التجربة المغربية بقدرتها على بناء البيئة الحاضنة لصناعة الأبطال. فالملاعب الحديثة، ومراكز التكوين، والبنيات الصحية واللوجستية، وشبكات النقل، والخبرة الأمنية والتنظيمية، أصبحت مكونات مترابطة داخل مشروع ينظر إلى الرياضة بوصفها استثماراً بعيد المدى ورافعة للاقتصاد والتنمية.

ومن هذا المنطلق، حظيت المملكة بثقة الاتحادات الدولية، وتحولت إلى وجهة بارزة لاحتضان المنافسات القارية والعالمية.

ويحمل تنظيم كأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، قيمة تتجاوز حدود الرياضة. فهذا الاستحقاق يشكل اعترافاً دولياً بمسار المغرب في بناء الثقة، وتحديث المؤسسات، وتعزيز البنيات التحتية، وترسيخ الكفاءة التنظيمية.

كما يؤكد موقع المملكة شريكاً موثوقاً يجمع بين عمقه الإفريقي وامتداده المتوسطي وقدرته على وصل القارات والثقافات.

وتتجسد القيمة الأساسية لمونديال 2030 في الإرث المنتظر أن يتركه للأجيال المقبلة. فالملاعب الجديدة، والخطوط السككية، والمطارات، ومشاريع التأهيل الحضري المرتبطة بالاستحقاق، تشكل استثمارات استراتيجية ترفع تنافسية الاقتصاد، وتحسن جودة الخدمات، وتخلق فرص الشغل، وتمنح المدن المغربية بنية حديثة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية القادمة.

وأضحت الرياضة لغة فاعلة ضمن الدبلوماسية المغربية. فمن خلال المنافسات والمنتخبات والاستضافات والتعاون مع الاتحادات القارية والدولية، وسعت المملكة حضورها خارج القنوات التقليدية للعلاقات الدولية، وقدمت صورة بلد مستقر، منفتح، عالي الكفاءة، وقادر على ترجمة طموحاته إلى مشاريع واقعية. إنها قوة ناعمة تُبنى بالإنجاز، وتمنح المغرب احتراماً متزايداً داخل المنتديات الدولية.

وتفرض القراءة الموضوعية مواصلة الإصلاح وتعميق المكتسبات. فترسيخ الممارسة الرياضية داخل المدرسة والجامعة، وتوسيع الاستفادة من المنشآت، وتحفيز الاستثمار الخاص، ودعم الرياضات الفردية، وتعزيز الحكامة والشفافية داخل المؤسسات الرياضية، أوراش تحتاج إلى إرادة مستمرة وطموح متجدد. فاستدامة النجاح ترتبط بالقدرة على تطوير المنظومة وتجاوز اختلالاتها ورفع سقف التطلعات.

وتكشف التجربة المغربية أن الرياضة أصبحت تعبيراً صادقاً عن ثقة وطن في ذاته. فعندما يرفع رياضي مغربي العلم الوطني فوق منصة التتويج، أو يدخل منتخب وطني إلى ملعب عالمي بثبات، أو تستقبل مدينة مغربية جماهير قادمة من مختلف القارات، يتحول الحدث الرياضي إلى إعلان حضاري عن وطن اختار الحضور في زمن التنافس الدولي، وجعل من الكفاءة والانضباط والعمل أدوات لصناعة مستقبله.

وتحل الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش والمغرب مقبل على حقبة جديدة من تاريخه الرياضي، تتطلب صيانة المكتسبات وتوسيع دوائر النجاح وربط الرياضة بالمدرسة والجامعة والبحث العلمي والاقتصاد والصناعة والابتكار. فالقوى الرياضية الكبرى هي التي تدمج الرياضة داخل مشروعها الحضاري، وتجعل منها وسيلة لتكوين الإنسان، وتقوية الانتماء، وترسيخ قيم الالتزام والإبداع والعمل الجماعي.

وتقدم الرياضة المغربية اليوم شهادة قوية على قدرة المؤسسات الوطنية على نقل الرؤية إلى أرض الواقع، وتحويل الطموحات إلى إنجازات، والتحديات إلى فرص. كما تحمل رسالة إلى الأجيال الصاعدة مفادها أن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأمتن لبناء المستقبل، وأن الأمم التي تثق بكفاءاتها، وتؤسس عملها على التخطيط والاستمرارية، قادرة على انتزاع موقعها بين الكبار.

وفي ذكرى عيد العرش السابع والعشرين، يستحضر المغرب مساراً رياضياً حافلاً، ويجدد عزمه على مواصلة البناء تحت قيادة الملك محمد السادس. مسار يعزز صورة المملكة دولةً تجمع بين الاستقرار والتنمية والانفتاح، وتمتلك من الإرادة والكفاءة ما يؤهلها لترسيخ حضورها بين الأمم التي تصنع المستقبل ولا تنتظره.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك