الوزير بنسعيد في قفص الاتهام!.. الشركة المحظوظة “أفونسين” تواصل ابتلاع الصفقات الثقيلة وتحصد صفقة معرض الكتاب بـ4 ملايير و580 مليون

تواصل شركة “أفونسين” حصد الصفقات السمينة والثقيلة داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل التي يشرف عليها الوزير محمد المهدي بنسعيد عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، في قطاع بات يثير كثيرا من الجدل بسبب تضخم كلفة التظاهرات الكبرى واتساع هوامش الصرف، وسط تساؤلات متزايدة حول حكامة التدبير، وتكافؤ الفرص، وحدود المنافسة الفعلية في عدد من الصفقات المرتبطة بالمجال الثقافي.

وكشف محضر رسمي يتوفر عليه موقع “هاشتاغ” أن صفقة تنظيم الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط رست على شركة “La Nouvelle Société Avant Scene” المعروفة إعلاميا باسم “أفونسين”، بمبلغ مالي بلغ 48.428.650,80 درهما، أي ما يفوق 4 ملايير و842 مليون سنتيم، وذلك في إطار طلب العروض المفتوح الدولي رقم 01/DAAF/FNAC/2026.

وحسب الوثيقة ذاتها، فإن هذه الصفقة تهم تنظيم الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، المرتقب احتضانها بالعاصمة الرباط ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026، في حصة فريدة، تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة.

وفي تفاصيل الصفقة، كان الوزير محمد المهدي بنسعيد قد خصص، وفق وثائق يتوفر عليها موقع “هاشتاغ”، ميزانية في حدود 45,8 مليون درهم لتنظيم هذه الدورة، وهي اعتمادات ضخمة موجهة لتغطية مختلف الجوانب التقنية واللوجستية والبرمجية والتواصلية المرتبطة بهذه التظاهرة، التي تقدم باعتبارها أكبر موعد سنوي للكتاب والنشر بالمغرب.

وحسب المعطيات التقنية المتوفرة، فإن المتعهد الفائز يتولى مختلف مراحل التنظيم، من إعداد التصاميم الهندسية والتهيئة العامة للفضاءات، إلى تركيب الخيام والمنصات وأروقة العرض، مرورا بـالتجهيزات الكهربائية والإنارة وأنظمة التكييف والتهوية، إلى جانب توفير فضاءات الاستقبال والندوات والصحافة والضيوف، فضلا عن خدمات الأمن والنظافة والصيانة والتشوير، مع ضمان الاستمرارية التقنية طوال أيام التظاهرة. وهو ما يكشف أن الصفقة لا تتعلق بجانب محدود من الحدث، بل بمنظومة تنظيمية كاملة تمسك بكل مفاصله.

غير أن ما يلفت الانتباه بقوة في هذا الملف هو أن المنافسة انتهت عمليا بسرعة لافتة، حيث أن المحضر الرسمي يبرز أن عدد المتنافسين اقتصر على شركتين فقط، هما “La Nouvelle Société Avant Scene” و”Belmejdoub Events”، قبل أن يتم لاحقا إقصاء الشركة الثانية عند مرحلة فحص العرض التقني، بينما واصلت الشركة الأولى المسار دون تحفظ، لتنتهي العملية بإسناد الصفقة لها بالمبلغ نفسه المسجل في التزامها المالي، أي 48.428.650,80 درهما، بعد التحقق من العرض المالي دون أي تغيير. كما بررت اللجنة هذا الاختيار بكونه “العرض الاقتصادي الأكثر أفضلية”.

وتشير معطيات يتوفر عليها موقع “هاشتاغ” إلى أن شركة “أفونسين” سبق أن ظفرت بعدد من الصفقات العمومية المرتبطة بوزارة الثقافة والشباب والتواصل، وهو ما يعيد إلى الواجهة نقاشا واسعا حول تكافؤ الفرص، وطبيعة تدوير الصفقات بين الأسماء نفسها، ومدى توفر شروط المنافسة الحقيقية داخل سوق تنظيم التظاهرات الكبرى.

وما يزيد من حدة هذا النقاش أن اسم الشركة بات يتكرر بقوة كلما تعلق الأمر بصفقات ثقيلة وميزانيات ضخمة، بما يخلق داخل الأوساط المهنية انطباعا متناميا بأن المسألة تجاوزت حدود الحضور المهني العادي إلى نوع من التموضع المريح داخل محيط نافذ، حيث عندما يصبح فاعل واحد حاضرا باستمرار في واجهة الصفقات الكبرى، وعندما تضيق دائرة المنافسة في كل مرة بشكل يتركه قريبا من خط النهاية، فإن الأسئلة لا تعود تقنية فقط، بل تمتد إلى طبيعة البيئة التي تشتغل فيها هذه الصفقات، والدوائر التي تسهل هذا الحضور المتكرر، والجهات التي تضمن بقاء الاسم نفسه في صدارة الصفقات.

وهنا تحديدا يتوسع الجدل، لأن الرأي العام لا يسأل فقط من فاز، بل يسأل أيضا كيف يتكرر هذا الفوز، ولماذا تحضر الشركة نفسها كلما تعلق الأمر بملايين الدراهم، ومن المستفيد من بقاء السوق محكوما بالفاعلين أنفسهم، وهي أسئلة لا تتهم أحدا بشكل مباشر، لكنها تضع الوزارة أمام مسؤولية تقديم أجوبة واضحة تقطع مع كل انطباع يوحي بأن بعض الشركات صارت تتحرك داخل مناخ مريح، يجعل الطريق إلى الصفقات الكبرى أقل وعورة وأكثر انفتاحا من غيرها.

وفي هذا السياق، يزداد الجدل عندما تقارن كلفة هذه الدورة بالدورات السابقة. فوفق المعطيات التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ”، بلغت قيمة صفقة تنظيم الدورة 30 سنة 2025 حوالي 45,5 مليون درهم، فيما بلغت ميزانية الدورة 29 سنة 2024 نحو 44 مليون درهم، بعد أن كانت الاعتمادات المخصصة لدورة 2023 في حدود 35 مليون درهم. وهذا ما يضعنا أمام منحى تصاعدي واضح في الكلفة، ويضع الوزير بنسعيد في قلب أسئلة مشروعة حول مبررات هذه الزيادات المتلاحقة، وحول السقف الذي يمكن أن تبلغه نفقات التظاهرات الثقافية الكبرى في ظرف زمني وجيز.

ويعد المعرض الدولي للنشر والكتاب من أبرز المواعيد الثقافية بالمملكة، إذ يستقطب سنويا أكثر من 300 عارض من نحو 50 دولة، ويعرض ما يفوق 100 ألف عنوان، مع استقبال ما يقارب نصف مليون زائر في كل دورة. غير أن هذه المكانة الرمزية لا تلغي النقاش القائم حول كيفية تدبير الميزانيات المرصودة له، ولا تعفي الوزارة من تقديم أجوبة دقيقة حول أوجه الصرف، ومعايير الإسناد، ومستوى القيمة المضافة الفعلية قياسا بحجم الأموال المرصودة.

وتنص المقتضيات المنظمة للصفقات العمومية على ضمان حرية المنافسة، وتعليل قرارات الإقصاء، وإتاحة إمكانيات الطعن الإداري والقضائي، لذلك فإن ما يثير القلق في مثل هذه الملفات ليس فوز شركة بعينها فقط، وإنما ما يرافق المسار من مؤشرات تفرض النقاش، من قبيل ضيق قاعدة التنافس، وإقصاء المنافس الوحيد تقنيا، والتقارب اللافت بين المبلغ التقديري والمبلغ النهائي، إلى جانب ضعف المعطيات التفسيرية المتاحة للعموم حول أسباب الإقصاء بشكل تفصيلي.

وفي وقت تواجه فيه البنيات التحتية الثقافية، ومشاريع القراءة العمومية، ودعم النشر والكتاب، تحديات مالية واضحة، يعود ملف هذه الصفقة ليطرح سؤال الأولويات داخل السياسة الثقافية، حيث عندما تتضخم ميزانيات التنظيم سنة بعد أخرى، وتستمر الأسماء نفسها في واجهة الحسم، يصبح من الطبيعي أن يتوسع النقاش حول حكامة المال الثقافي، وحول ما إذا كانت وزارة بنسعيد تدير هذا المجال بمنطق يضمن التوازن بين إشعاع التظاهرات الكبرى وعدالة توزيع الموارد داخل المنظومة الثقافية الوطنية.

هكذا، تبدو صفقة الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بمثابة ملف يفتح الباب على أسئلة ثقيلة حول الشفافية والمنافسة وحسن تدبير الملايين، خاصة عندما يتعلق الأمر بتظاهرة تحمل اسم المغرب وصورته الثقافية أمام الداخل والخارج. وبين وثائق رسمية تؤكد رسو الصفقة على “أفونسين” بمبلغ يفوق 48 مليون درهم، ومعطيات مهنية تتحدث عن تكرار حضور الفاعل نفسه في صفقات مماثلة، يتسع الجدل يوما بعد يوم حول وزارة باتت، في نظر كثيرين، فضاء تتقاطر فيه الصفقات الثقيلة بسخاء كبير، بينما يظل الرأي العام في انتظار قدر أكبر من الوضوح والشرح والتفسير.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك