صعد رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، هجومه السياسي على حكومة عزيز أخنوش خلال جلسة مناقشة الحصيلة الحكومية، مقدما مرافعة هجومية مركزة اتهم فيها الحكومة بتضليل الرأي العام عبر الأرقام، والفشل في الوفاء بالتزاماتها في التشغيل، وتبديد مليارات الدراهم في ملفات المحروقات ودعم استيراد الأبقار، دون أثر ملموس على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد حموني، في مداخلته يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 بمجلس النواب، أن الحكومة تروج لمعطيات لا تنسجم مع الأرقام الرسمية، خاصة في ما يتعلق بالتزامها بإحداث مليون منصب شغل مع نهاية سنة 2026.
وأوضح أن المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف حصيلة مغايرة تماما، مبرزا أن سنة 2022 سجلت فقدان 24 ألف منصب شغل، وسنة 2023 فقدان 157 ألفا، مقابل إحداث 82 ألفا في 2024 و193 ألفا في 2025، ما يعني أن المحصلة الإجمالية خلال أربع سنوات لم تتجاوز 94 ألف منصب شغل، بمعدل سنوي لا يتعدى 23 ألفا و500 منصب.
واعتبر رئيس فريق التقدم والاشتراكية أن هذه الأرقام تنسف خطاب الحكومة بشأن اقترابها من تحقيق التزامها الانتخابي، مشددا على أنها بعيدة بشكل واضح عن سقف المليون منصب شغل الذي تعهدت به منذ بداية ولايتها.
وأضاف أن محاولة تقديم الوضع كما لو أن الحكومة تسير نحو بلوغ هدفها لا تصمد أمام الأرقام الرسمية ولا أمام واقع البطالة المتفاقم.
وفي هذا السياق، استحضر حموني ما وصفه بـ”الحقيقة الساطعة”، والمتمثلة في استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، مبرزا أن عدد العاطلين بلغ مليوناً و621 ألف شخص، بنسبة 13 في المائة على الصعيد الوطني، و37 في المائة في صفوف الشباب، و20 في المائة لدى حاملي الشهادات، و21 في المائة لدى النساء، في وقت يصل فيه معدل الشغل الناقص إلى 11 في المائة، بينما يوجد 33 في المائة من مناصب الشغل غير الفلاحي داخل القطاع غير المهيكل.
وانتقد في الاتجاه نفسه برنامجي “فرصة” و”أوراش”، معتبرا أن الحكومة أنفقت عليهما 5.5 مليارات درهم، من دون أن يحققا النتائج المعلنة، مضيفا أن تداعياتهما امتدت، وفق تعبيره، إلى أوضاع اجتماعية وإنسانية مؤلمة بالنسبة إلى عدد من الشباب المعنيين.
وربط حموني هذا التعثر في التشغيل بفشل أوسع في السياسة الاقتصادية للحكومة، مبرزا أن متوسط النمو خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025 لم يتجاوز حوالي 3.5 في المائة، في حين أن النموذج التنموي الجديد أوصى بمعدل يصل إلى 6 في المائة.
وسجل أن التحسن المسجل في بعض المؤشرات مرده الأساس إلى التساقطات المطرية، وليس إلى أداء حكومي استثنائي، مضيفا أن مساهمة الصناعة في التشغيل ما تزال محدودة، بدليل عجزها عن تعويض ما يفقده القطاع الفلاحي من مناصب شغل.
كما شدد على أن مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام ما تزال ضعيفة ولا تتجاوز 15 في المائة، موضحا أن الوضع كان سيكون أكثر صعوبة لولا النتائج المحققة في صناعات السيارات والطيران، معتبرا أن الرهان اليوم ينبغي أن يتجه نحو نقل التكنولوجيا ورفع نسبة الإدماج المحلي.
وفي محور ثان من انتقاداته، اتهم حموني الحكومة بارتكاب “خلط سياسي فظيع وغير مقبول” بين ما راكمه المغرب من مكتسبات وطنية كبرى وإصلاحات هيكلية انطلقت منذ عقود، وبين الحصيلة الفعلية لحكومة أخنوش.
وقال إن الحكومة الحالية لا يمكنها أن تنسب إلى نفسها مكتسبات من حجم تنظيم كأس العالم، أو ترسيخ مكانة المغرب قاريا ودوليا، أو إطلاق أوراش مؤسساتية وهيكلية عميقة، مضيفا أن هذه التحولات أكبر من قدرات هذه الحكومة.
واعتبر أن ما يقع اليوم هو “سطو فكري وسياسي” على شعارات قوية وإصلاحات وازنة، مع سعٍ إلى تحريف توجهات كبرى لخدمة لوبيات وفئات ضيقة على حساب عموم المواطنين، مستشهدا بشعار “الدولة الاجتماعية” وبعدد من الأوراش الكبرى التي جرى، بحسبه، توظيفها سياسيا بشكل انتقائي.
وفي السياق ذاته، سجل حموني أن عرض الحصيلة الحكومية لم يعتمد سنة مرجعية واحدة، بل تنقل بين 2016 و2019 و2021 و2022، وهو ما اعتبره محاولة مكشوفة للتعسف على الأرقام والتلاعب بالمعدلات والنسب من أجل صناعة صورة وردية على الورق وفي التصريحات، بينما يغيب الأثر الحقيقي في الميدان.
وخلص إلى أن الحكومة تتعامل مع الحصيلة بمنطق “الماركوتينغ التجاري” بدل السياسة بمعناها النبيل.
ولم يتوقف هجوم رئيس فريق التقدم والاشتراكية عند ملف التشغيل ومنهجية عرض الحصيلة، بل امتد إلى تدبير الحكومة لملف المحروقات، حيث اعتبر أن الدعم الذي خصصته للنقل لم ينعكس على الأسعار التي يؤديها المواطن.
وأوضح أن الحكومة ضخت 8.5 مليارات درهم بين 2022 و2024 عبر 16 عملية دعم، في حين حققت الدولة مداخيل تقارب 120 مليار درهم من الضريبة الداخلية على الاستهلاك على المحروقات، متسائلا عن الأثر المباشر لذلك على المواطن.
وأضاف أن فريقه سبق أن تقدم بمقترح لتخفيض الضريبة الداخلية على الاستهلاك بشكل مؤقت في حدود درهمين ونصف، بما يضمن خفضا مباشرا في أسعار الغازوال والبنزين، غير أن الحكومة اختارت، بحسب قوله، توجيه الدعم بطريقة لم ينتج عنها أي تغيير يلمسه المواطن في السوق.
وفي الملف نفسه، توقف حموني عند دعم استيراد الأبقار، معتبرا أن المستفيد الأكبر منه هم “الفراقشية” وليس المواطن.
وأكد أن الحكومة رصدت ما يقارب 13 مليار درهم، مرفوقة بإعفاءات ومبالغ إضافية، دون أن ينعكس ذلك على أسعار اللحوم التي ظلت، وفق قوله، في مستويات مرتفعة تناهز 150 درهما، ما يجعل هذا الدعم أقرب إلى تبديد للمال العام من دون مردود اجتماعي واضح.
وسجل أن المبالغ الضخمة التي ضختها الحكومة سواء في المحروقات أو في دعم الأبقار لم تترك أي أثر إيجابي على القدرة الشرائية، وهو ما يثير أسئلة ثقيلة حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة وحول الجهة التي استفادت فعليا من هذه الاعتمادات.
وفي خضم هذه المواجهة السياسية، أثار حموني أيضا غياب عدد من الوزراء التقنوقراط عن جلسة مناقشة الحصيلة، متسائلا إن كانوا يتبنون فعلا هذه الحصيلة أم أن الغياب يحمل رسالة سياسية مبطنة.
وبهذه المداخلة، رسم رئيس فريق التقدم والاشتراكية صورة سياسية قاتمة عن أداء الحكومة، عنوانها تضخيم الإنجازات، وضعف المردودية، وتبديد الموارد، وتقديم أرقام لا تصمد أمام محك الواقع. وهي صورة فتحت مواجهة مباشرة تحت قبة البرلمان، بين حكومة تصر على الدفاع عن حصيلتها، ومعارضة ترى أن ما يعرض في الجلسات لا يجد صداه في جيوب المواطنين ولا في سوق الشغل ولا في أسعار المواد الأساسية.