عادت الأسمدة المغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وما ترتب عنها من اضطراب في واحد من أهم الممرات البحرية الحيوية، في وقت تؤمن فيه منطقة مضيق هرمز جزءا مهما من حركة نقل الأسمدة على الصعيد العالمي.
وأعاد هذا المستجد تسليط الضوء على الموقع الذي بات يحتله المغرب داخل سلاسل الإمداد الفلاحي الدولية، في ظل تنامي الطلب على الأسمدة واحتدام المنافسة حول مصادر التزود الآمنة.
ويتعزز هذا المعطى بفعل التحولات المناخية التي رفعت منسوب الضغط على الإنتاج الفلاحي في عدة مناطق من العالم، ودفعـت عددا متزايدا من الدول إلى البحث عن حلول فعالة لرفع المردودية وتأمين حاجياتها الغذائية.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب، عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، كفاعل دولي يحظى بثقة متزايدة، سواء من طرف الاقتصادات الكبرى أو من قبل الأسواق الفلاحية الصاعدة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن دولا وازنة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والهند، رفعت من اهتمامها بالأسمدة المغربية، ودخلت في مباحثات مع الجانب المغربي من أجل تعزيز الإمدادات، في ظل التوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على مسالك التوريد العالمية.
ورغم أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط قد تواجه بدورها بعض الإكراهات المرتبطة بالتزود بالكبريت، الذي يشكل مادة أساسية في صناعة الأسمدة ويتم استيراد جزء منه من دول الخليج، فإن الخبرة التي راكمتها المجموعة، وقدرتها على إعادة ترتيب سلاسل الإمداد، تمنحها هامشا واسعا من المرونة يسمح لها بالبحث عن بدائل وتدبير المرحلة بكفاءة أعلى.
وتأتي هذه الدينامية في ظرفية تعرف فيها أسعار الأسمدة ارتفاعا ملحوظا، ما يفتح أمام المجمع المغربي آفاقا إضافية على مستوى الصادرات، كما يمنح الاقتصاد الوطني فرصة لتعزيز مداخيله من العملة الصعبة. غير أن وزن الأسمدة المغربية في السوق العالمية لا يرتبط بظرفية جيوسياسية مؤقتة فحسب، وإنما يتأسس على تحول بنيوي تقوده المجموعة منذ سنوات، في انسجام مع توجه استراتيجي جعل من التصنيع وتثمين الفوسفاط ركيزة مركزية داخل نموذجها الصناعي.
هذا التحول بدأ يؤتي ثماره بشكل واضح، بعدما انتقل نشاط المجموعة من التركيز على تصدير الفوسفاط الخام إلى توسيع إنتاج الأسمدة المصنعة، التي أصبحت تحتل موقعا متقدما داخل هيكلة المداخيل. فقد غدت الأسمدة اليوم النشاط الأبرز داخل المجموعة، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي على الغذاء، وبالحاجة إلى حلول زراعية أكثر فعالية واستدامة في مواجهة التغيرات المناخية.
وفي هذا الإطار، شرعت المجموعة في تنزيل برنامج استراتيجي جديد يحمل اسم SP2M عبر فرعها OCP Nutricrops، ويرتكز على إحداث قطبين منجميين وصناعيين جديدين بكل من مزيندة ومسقالة بإقليم الصويرة. ويهدف هذا البرنامج إلى رفع القدرة الإنتاجية للأسمدة بتسعة ملايين طن في أفق سنة 2028، بما يسمح بمواكبة الطلب الدولي المتنامي، وتقديم حلول ملائمة لمختلف الحاجيات الفلاحية عبر العالم.
ويراهن هذا المشروع على إنتاج أصناف من الأسمدة، من بينها TSP وTSP+، بما ينسجم مع التوجه نحو تطوير حلول مبتكرة تستجيب لمتطلبات الإنتاج الزراعي وتدعم الأمن الغذائي العالمي. كما يندرج ضمن رؤية صناعية أوسع تقوم على تعزيز التنافسية، والرفع من النجاعة، وترسيخ الالتزام بالحياد الكربوني في أفق سنة 2040.
وتسعى المجموعة إلى جعل منصتي مزيندة ومسقالة نموذجا صناعيا متقدما، يرتكز على أربعة محاور رئيسية تشمل الرقمنة، والاستدامة والابتكار، وتطوير النظام الصناعي، إلى جانب تثمين المواهب والقدرات. أما على المستوى العملي، فسيتم إنجاز المركب الكيميائي لمزيندة على مرحلتين، بطاقة إنتاجية تصل إلى ثلاثة ملايين طن، على أن ينقل الحمض الفوسفوري المنتج إلى موقع آسفي لتحويله إلى حبيبات فوسفاط، بما سيمكن من إنتاج 4.5 ملايين طن ابتداء من سنة 2026.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن أشغال الهندسة المدنية بهذا المشروع انطلقت في يونيو 2024، فيما بلغ تقدم الإنجاز نسبا تراوح بين 15 و24 في المائة حسب مكونات المشروع وورشاته.
هذه الدينامية تعكس انتقالا عميقا داخل نموذج عمل المجموعة. ففي سنة 2005، كانت صادرات الفوسفاط الخام تشكل حوالي 43 في المائة من إجمالي صادرات المجمع، مقابل حضور محدود للأسمدة في حدود 9 في المائة. أما اليوم، فقد أصبحت الأسمدة تمثل الحصة الأكبر من عائدات المجموعة، بعدما بلغت 69 في المائة من مجموع مداخيلها خلال سنة 2024، ما يؤكد حجم التحول الذي شهده هذا القطاع، مدفوعا بطلب قوي من أسواق رئيسية مثل البرازيل والهند، إلى جانب عدد من البلدان الإفريقية التي تستفيد من ترتيبات تفضيلية ضمن التعاون المغربي الإفريقي.
وبهذا المسار، يرسخ المغرب موقعه كقوة صناعية وفلاحية صاعدة في سوق دولية شديدة الحساسية، حيث أصبحت الأسمدة ورقة استراتيجية تجمع بين البعد الاقتصادي، والرهان الغذائي، والمكانة الجيوسياسية.