هاشتاغ
في تحول اقتصادي لافت يحمل أبعاداً حمائية واضحة، كشفت المفوضية الأوروبية عن مشروع قانون جديد تحت اسم “Industrial Accelerator Act”، يهدف إلى إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل أوروبا، وهو ما يضع النموذج الاقتصادي المغربي أمام اختبار صعب قد يعيد رسم قواعد اللعبة الصناعية بين الرباط وبروكسيل.
هذا المشروع، الذي يسعى إلى رفع مساهمة الصناعة إلى 20% من الناتج الداخلي الإجمالي الأوروبي بحلول 2035، يأتي في سياق تنافس محتدم مع كل من الولايات المتحدة والصين، ويعتمد على مبدأ “الأولوية الأوروبية” في الإنتاج والاستثمار، خاصة في قطاعات حساسة مثل السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة.
لكن هذا التوجه الجديد لا يخلو من تداعيات مباشرة على المغرب، الذي ظل لعقود منصة صناعية مفضلة للمستثمرين الدوليين، بفضل اتفاقية التبادل الحر الموقعة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1996، والتي مكنت المنتجات المغربية من الولوج إلى السوق الأوروبية دون رسوم جمركية.
ويبدو أن هذا الامتياز بات مهدداً، في ظل إجراءات أوروبية متصاعدة، من بينها فرض رسوم تعويضية وصلت إلى 31% على بعض المنتجات المغربية، مثل مكونات الألمنيوم، إلى جانب شروط أكثر صرامة للاستثمارات الأجنبية التي تتجاوز 100 مليون يورو.
القطاع الأكثر عرضة لهذا التحول هو صناعة السيارات، التي تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الصناعي المغربي. فالقانون الجديد يشترط أن تحتوي السيارات الكهربائية على نسبة 70% من المكونات الأوروبية، كما يفرض تصنيع مكونات البطاريات داخل أوروبا في آجال قصيرة، ما قد يقوض دور المغرب كمركز إنتاج وتصدير نحو القارة العجوز.
ولم تتوقف القيود عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل السيارات منخفضة التكلفة، التي لن تستفيد من الدعم العمومي الأوروبي إلا إذا تم تصنيعها بالكامل داخل الاتحاد، وهو ما يضرب في العمق جاذبية المغرب كمنصة صناعية منخفضة التكلفة وموجهة للتصدير.
ورغم هذا التوجه المتشدد، لا تزال بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، تدفع نحو إدماج “الشركاء الموثوقين” ضمن مفهوم “صنع في أوروبا”، وهو ما قد يمنح المغرب هامشاً للمناورة، بحكم علاقاته التجارية المتقدمة مع الاتحاد.
و تتبنى دول أخرى مثل فرنسا وإيطاليا موقفاً أكثر صرامة، مدعومة بمعارضة قوية من التيارات البيئية داخل البرلمان الأوروبي.
في المحصلة، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة مفصلية، حيث لم يعد نموذج “المنصة الصناعية للتصدير” مضمون النتائج كما في السابق، ما يفرض إعادة التفكير في استراتيجيته الاقتصادية، وتنويع شركائه وأسواقه، لتفادي تداعيات موجة الحمائية الصناعية التي تجتاح أوروبا.