إسبانيا تمشي على حبل مشدود بين غاز الجزائر وتحالف المغرب

تجد الحكومة الإسبانية نفسها مجددا أمام معادلة جيوسياسية دقيقة في منطقة المغرب الكبير، حيث تسعى إلى التوفيق بين حاجتها المتزايدة إلى تأمين إمدادات الطاقة من الجزائر، والحفاظ في الآن ذاته على تحالفها الاستراتيجي المتنامي مع المغرب.

وفي هذا السياق، أعادت مدريد تنشيط قنواتها الدبلوماسية مع الجزائر، في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية المرتبطة بأمنها الطاقي، خاصة في ظل الاعتماد التاريخي على الغاز الجزائري كمصدر رئيسي للتزود بالطاقة.

وفي تطور لافت، قام خوسيه مانويل ألباريس، وزير الخارجية الإسباني، بزيارة رسمية إلى الجزائر، تعد الأولى من نوعها بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي، في مؤشر على رغبة مدريد في إعادة ترتيب علاقاتها مع هذا الشريك الحيوي.

وتأتي هذه الزيارة في سياق تنافس إقليمي متصاعد بين الرباط والجزائر، ما يفرض على إسبانيا انتهاج سياسة توازن دقيقة. فرغم الدعم الذي سبق أن عبرت عنه مدريد للموقف المغربي في قضية الصحراء، فإن الاعتبارات الطاقية دفعتها إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع الجزائر، أحد أبرز مزوديها بالغاز الطبيعي.

في المقابل، يواصل المغرب تعزيز موقعه الإقليمي والدولي عبر شراكات استراتيجية متعددة، وهو ما يفرض حضورا متزايدا في حسابات السياسة الخارجية الإسبانية، خاصة في ظل ملفات حساسة مثل سبتة ومليلية.

ولا تزال تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة سنة 2021 حاضرة في ذهن الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز، ما يدفعها إلى الحرص على عدم توتير العلاقات مع الرباط، رغم الانفتاح المتجدد على الجزائر.

وتكتسي زيارة ألباريس إلى الجزائر بعدا طاقيا بالدرجة الأولى، حيث يرتقب أن يجري مباحثات مع وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، بهدف تعزيز إمدادات الغاز، خاصة عبر أنبوب “ميدغاز”، الذي يشكل أحد أهم قنوات التموين نحو السوق الإسبانية.

وكانت الجزائر قد حافظت على موقعها كأول مزود لإسبانيا بالغاز لثلاث سنوات متتالية إلى غاية 2025، قبل أن تتراجع مؤقتا مطلع 2026 لصالح الولايات المتحدة، وهو ما يعزز مساعي مدريد لاستعادة استقرار تدفقاتها الطاقية.

في المقابل، يبرز تحول لافت في معادلة الطاقة بالمنطقة، حيث أصبح المغرب أحد أبرز زبناء الغاز الإسباني، محتلا المرتبة الثانية بعد البرتغال مع بداية 2026، في مشهد يعكس تشابك المصالح بين الطرفين.

وتكشف هذه التطورات عن وضع معقد تعيشه إسبانيا، التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين شريكين استراتيجيين، أحدهما يشكل ركيزة لأمنها الطاقي، والآخر يمثل شريكا سياسيا واقتصاديا أساسيا في الضفة الجنوبية للمتوسط، في ظل محدودية البدائل المتاحة على المدى القريب.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك