ربيع الخليع.. أنا ومن بعدي الطوفان!

منذ أكثر من عشرين سنة وربيع الخليع يقود قطارات المملكة، حتى أصبح حضوره على رأس المكتب الوطني للسكك الحديدية أطول من عمر أجيال كاملة من المسافرين.

تغيرت الحكومات وتعاقب الوزراء وارتفعت الأسعار وتبدلت الوجوه داخل مؤسسات الدولة، بينما ظل الرجل في موقعه، كأن المكتب كتب عليه أن يتحرك بالقطارات نفسها والعقلية نفسها والمسؤول نفسه، مهما ارتفعت أصوات الركاب الغاضبين فوق الأرصفة.

آخر بلاغ للمكتب الوطني للسكك الحديدية جاء محملا بالأرقام الوردية وأكثر من مليار درهم من رقم المعاملات خلال ثلاثة أشهر، وملايين المسافرين، واستثمارات ضخمة تتجاوز 1,9 مليار درهم، ومؤشرات نمو توحي بأن المؤسسة تعيش عصرا ذهبيا.

غير أن البلاغ نسي أن يحدث المغاربة عن شيء آخر لا يظهر في الجداول المالية: كم مرة تأخرت القطارات؟ وكم ساعة ضاعت من أعمار الركاب؟ وكم مواطنا وقف في محطة ينتظر قطارا لا يصل في موعده؟

في المغرب السككي الذي يتحدث عنه المكتب، كل شيء يبدو مثاليا. أما في المغرب الذي يعرفه المسافرون، فالصورة مختلفة تماما. هناك موظفون يطاردون التوقيت، وطلبة يخشون ضياع الامتحانات، وأسر تنتظر أبناءها، ومسافرون يحفظون أعذار التأخير أكثر مما يحفظون مواعيد الانطلاق والوصول.

إن المكتب الوطني للسكك الحديدية لا يتوقف عن الحديث عن الاستثمار والتوسع والتحديث، بينما ما يزال جزء واسع من المرتفقين يشتكي من الاكتظاظ والارتباك وضعف التواصل كلما وقع عطب أو تأخر. وكأن المكتب يعيش في عالمين متوازيين؛ عالم البلاغات الذي يسير بسرعة “البراق”، وعالم المواطنين الذي يتوقف عند أول إشارة حمراء.

لقد تحول ربيع الخليع مع مرور الوقت إلى حالة إدارية استثنائية. فمنذ سنة 2004 وهو على رأس المؤسسة، حتى أصبح بقاؤه في المنصب أطول من عمر مشاريع وسياسات وقطاعات بأكملها.

وهنا يبرز السؤال الكبير الذي يتجنب كثيرون طرحه: هل يعجز المغرب فعلا عن إنتاج كفاءات جديدة لتدبير مؤسسة استراتيجية بهذا الحجم أم أن بعض المناصب تحولت إلى جزر معزولة لا تصل إليها رياح التغيير؟

يتحدث المكتب عن 12,6 مليون مسافر خلال ثلاثة أشهر كما لو أن الرقم شهادة نجاح مطلقة، والحقيقة أن هذا الرقم يمكن قراءته بطريقة أخرى، ملايين المغاربة لا يجدون بديلا عن القطار، ولذلك يستمرون في استعماله رغم الأعطاب والتأخيرات والمشاكل المتكررة، فالاحتكام إلى عدد الزبائن في مرفق عمومي شبه احتكاري لا يعني بالضرورة الرضا عن الخدمة.

اليوم ومع انطلاق أوراش 2030، يحتاج المغرب إلى أكثر من قطارات جديدة واستثمارات بالمليارات. يحتاج إلى ثورة حقيقية في ثقافة التدبير، وإلى مسؤولين يدركون أن نجاح المؤسسة لا يقاس فقط بما يدخل إلى خزائنها، بل بما تقدمه للمواطن من احترام لوقته وكرامته وحقه في خدمة عمومية لائقة.

فإن السؤال الذي يطارد المكتب الوطني للسكك الحديدية لم يعد يتعلق بعدد المسافرين أو حجم الاستثمارات، بل بمنطق الاستمرارية نفسه. فبعد أكثر من عقدين على رأس المؤسسة، وبعد كل هذه الشكاوى المتراكمة، هل ما يزال ربيع الخليع جزءا من الحل أم أصبح جزءا من المشكلة؟

ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه البلاغات المالية ولا تظهره مؤشرات النمو، ولا تستطيع قطارات الأرقام السريعة الهروب منه.

ففي نهاية المطاف قد ترتفع المداخيل، وقد تتضاعف الاستثمارات، وقد تزداد أعداد الركاب، لكن المواطن الذي يقف على الرصيف منتظرا قطارا متأخرا سيظل يردد عبارة واحدة تختصر الواقع كله: ربيع الخليع.. ديگاجْ.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك