في وقت كان فيه آلاف البحارة يترقبون نهاية فترة الراحة البيولوجية لاستئناف نشاطهم واستعادة مورد رزقهم، تعاقبت قرارات وزارة الصيد البحري بين المنع والتقليص ثم الإغلاق مجددا، ما أعاد الجدل حول منهجية تدبير الثروة السمكية بالمغرب.
البداية كانت بقرار يمنع صيد الأسماك السطحية الصغيرة بالمنطقة الأطلسية الجنوبية، الممتدة بين خطي العرض 26°07 شمالا (رأس بوجدور) و20°46 شمالا (الرأس الأبيض)، خلال الفترة من فاتح يناير إلى 28 فبراير 2026. وبررت الإدارة هذا القرار بضرورة حماية صغار الأسماك وضمان استدامة المخزون.
وحسب مصادر مهنية متحدثة لموقع “هاشتاغ” فإن القرار لم يستمر في صيغته الأولى، إذ جرى تقليص مدة المنع إلى 15 فبراير بدعوى “انتعاش المصيدة”. وبعد استئناف النشاط، صدر قرار جديد رقم PP.04/26 بتاريخ 26 فبراير 2026، يقضي بإغلاق منطقة تركز صغار الأسماك بالأطلسي الجنوبي (المخزون C) إلى غاية متم يونيو، في وجه جميع السفن المرخص لها بصيد الأسماك السطحية الصغيرة، بحجة حماية السردين المتجمع في أعماق تقل عن 50 مترا.
ووفقا لذات المصادر المهنية، فإن هذا التتابع في القرارات لم يكن مجرد تعديل تقني، بل كانت له انعكاسات اقتصادية مباشرة، حيث تكبد البحارة، خلال شهرين من التوقف القسري، خسائر وُصفت بالفادحة في ظل غياب بدائل أو تعويضات، قبل أن يُسرّع انطلاق الموسم بخمسة عشر يوما، ليُعاد إغلاق المنطقة بعد ذلك بأسابيع قليلة، في ما اعتبره فاعلون “مجزرة” للمخزون السمكي.
وأفرز هذا الوضع، وفق ما أوردته المصادر نفسها لموقع “هاشتاغ”، حالة من البطالة المقنعة وتراكم الديون لدى عدد من البحارة، فضلا عن مخاوف لدى مستثمرين بشأن مناصب الشغل، في سياق تتأرجح فيه السوق الداخلية بين الندرة وارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، قال أحد المهنيين في معرض حديثه لموقع “هاشتاغ” أن الإشكال لا يرتبط بمبدأ الإغلاق البيولوجي، بل بطريقة تدبيره وتوقيته، مشيرا إلى أن توالي قرارات المنع والسماح ثم المنع مجددا خلال فترة قصيرة يطرح تساؤلات حول استقرار المعطيات العلمية المعتمدة.
وامتدت الانتقادات أيضا إلى آليات البحث العلمي المعتمدة في تقييم المخزون، حيث يرى مهنيون في القطاع أن الاعتماد المكثف على نماذج وبرمجيات معدة سلفا، دون إشراك كاف للخبرة الميدانية للبحارة والربابنة، خلق فجوة بين النتائج النظرية والواقع البحري المتغير.
وحسب المصادر نفسها، فإن الانتقال من الحديث عن “انتعاش المصيدة” إلى التحذير من “خطر داهم على المخزون” خلال أسابيع قليلة يعكس تضاربا في التقدير ويثير تساؤلات حول شفافية المعطيات ودقة المؤشرات التي بُنيت عليها القرارات.
وتزداد الصورة تعقيدا بالنظر إلى أن “المخزون C” يُعتبر مخزونا مشتركا يتأثر بظاهرة صعود التيارات الباردة (upwelling) على طول الساحل الأطلسي، ما يجعل أي مقاربة أحادية الجانب محدودة الأثر إذا لم تُنسق مع الدول المجاورة، خاصة موريتانيا.
وفي هذا الإطار، دعا مهنيون إلى اعتماد مقاربة إقليمية أو عقد مؤتمر دولي لتقنين استغلال المخزونات المشتركة، بدل الاكتفاء بإجراءات وطنية قد تتحول إلى عبء اقتصادي دون مردود بيولوجي ملموس.
وتتصاعد داخل القطاع دعوات لإعلان سنة 2026 “سنة منكوبة”، بالنظر إلى ما يصفه فاعلون بوضعية استثنائية تستدعي تدخلا عاجلا.
وتشمل المقترحات تعويض البحارة النشطين المتضررين من الإغلاق، ودعم المستثمرين للحفاظ على مناصب الشغل، وإعادة جدولة ديون القطاع لدى الأبناك وإدارة الضرائب والممونين، إضافة إلى تشكيل خلية أزمة متعددة القطاعات لصياغة رؤية إنقاذية عاجلة.
ويرى فاعلون أن الإشكال بات بنيويا يمس منظومة التدبير برمتها، من علاقة الإدارة بالمهنيين، إلى آليات اتخاذ القرار، وصولا إلى التوازن الدقيق بين الاستغلال والحماية. وفي انتظار مآلات الإغلاق المعلن إلى غاية نهاية يونيو، يبقى الرهان الأساسي هو تحقيق استدامة حقيقية تراعي المعطيات العلمية والبعد الاجتماعي في آن واحد.