هاشتاغ
في السياسة المغربية، أصبحنا أمام نوع جديد من التواصل السياسي، ليس تواصلا حكوميا، بل “إشهارا انتخابيا سابقا لأوانه”، بطل حلقته الأخيرة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي خرج على المغاربة بفيديو مطول مدته 25 دقيقة، موزع على خمسة محاور، في محاولة لتقديم “حصيلة الحكومة”، لكن المغاربة الذين تابعوا الفيديو، اكتشفوا بسرعة أنهم أمام “حصيلة حزب التجمع الوطني للأحرار” أكثر من كونها حصيلة حكومة ائتلافية تضم أحزابا أخرى، وكأن وزراء الأحزاب المشاركة مجرد كومبارس في فيلم انتخابي طويل، بينما البطولة المطلقة محفوظة لوزراء الحمامة.
الفيديو كان أقرب إلى “وثائقي نتفليكس سياسي”، إخراج جيد، موسيقى هادئة، أرقام تتطاير هنا وهناك، وابتسامة مطمئنة توحي بأن المغرب صار على أبواب النرويج، لكن بمجرد أن يغلق المواطن هاتفه ويخرج إلى السوق أو يبحث عن عمل أو يحاول العلاج في مستشفى عمومي، يعود بسرعة إلى المغرب الحقيقي، لا المغرب الذي يسكن داخل فيديوهات التواصل الحكومي.
أخنوش تحدث مطولا عن ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره الإنجاز الأعظم للحكومة، لكن المشكلة ليست في الورش بحد ذاته، فهو ورش ملكي استراتيجي، بل في طريقة تسويق الأرقام، فرئيس الحكومة تحدث عن “4 ملايين مستفيد” من التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالمهنيين والعمال المستقلين، بينما المعطيات المتداولة رسميا تشير إلى أن العدد الحقيقي للمسجلين الفعليين أقل بكثير، في حدود 1.6 مليون منخرط فعلي.
والأخطر من ذلك أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات الأخير تحدث عن معطى صادم، وهو أن حوالي 37 بالمئة فقط من المنخرطين يؤدون اشتراكاتهم بانتظام، بينما 63 بالمئة متوقفون عن الأداء، ما يعني عمليا أن حقوقهم في العلاج مجمدة أو موقوفة.
أي أننا أمام نظام يبدو جميلا على الورق، لكنه في الواقع يشبه اشتراك “الويفي” الذي يؤديه المواطن شهرا ويتوقف عنه ثلاثة أشهر، ثم يقال له: “أنت مستفيد رقميا، لكن الخدمة مقطوعة”.
أما الدعم الاجتماعي المباشر، فقد قدمه أخنوش وكأنه ثورة اجتماعية غير مسبوقة، لكن الواقع أكثر تعقيدا، نعم، هناك أسر تستفيد، وهذا أمر إيجابي، لكن الحكومة تتجنب الحديث عن الاختلالات الكبيرة التي يعرفها السجل الاجتماعي الموحد ومعايير الاستهداف، أرامل كثيرات تم إقصاؤهن بسبب “مؤشر” رقمي غريب، قد يعتبر تعبئة هاتف بعشرة دراهم أو امتلاك تلفاز قديم دليلا على “الرفاه”، وكأن الفقر في المغرب أصبح يحتاج إلى شهادة موثقة من الكوكب الأحمر.
والأسوأ أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أشار إلى أن نظام الدعم المباشر يعاني عجز مالي للسنة الثانية على التوالي، ما يطرح أسئلة حقيقية حول استدامته المالية مستقبلا، فالحكومة تقدم الدعم بيد، ثم تسترجعه باليد الأخرى عبر ارتفاع الأسعار والتضخم والضرائب غير المباشرة، المواطن يأخذ 500 درهم دعما، ثم يتركها كلها عند الجزار والخضار ومحطة الوقود.
وفي محور التشغيل، بدا أخنوش متفائلا أكثر من اللازم، متحدثا عن خلق أكثر من 800 ألف منصب شغل، بينما الواقع يقول إن معدل البطالة ما يزال يدور حول 13 في المئة، مع نسب أكثر قسوة وسط الشباب وحاملي الشهادات، والمندوبية السامية للتخطيط نفسها أكدت في تقاريرها الأخيرة أن البطالة تواصل الارتفاع في صفوف الشباب الحضري، وأن سوق الشغل المغربي يتوسع أساسا في العمل الهش وغير المهيكل، لا في الوظائف المستقرة المنتجة للقيمة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الخطاب الحكومي، كيف يمكن الحديث عن “إقلاع اقتصادي” بينما آلاف الشباب يقضون يومهم بين المقاهي وصفوف مباريات التوظيف وصفحات الهجرة، يبدو أن الحكومة أصبحت تعتبر “ريادة الأعمال” هي أن يتحول حامل الشهادة إلى بائع قهوة متنقل أو عامل توصيل يقضي 14 ساعة يوميا تحت الشمس مقابل دخل بالكاد يكفي البنزين والكراء، دون حماية اجتماعية فعلية أو استقرار مهني.
والاهم من ذلك أن الحكومة ربطت كل خطابها الاقتصادي بالاستثمار والنمو، لكنها تتجنب الحديث عن سؤال جوهري، أين تذهب ثمار هذا النمو، لأن الأرقام تكشف مفارقة صادمة، فالميثاق الجديد للاستثمار الذي قدمته الحكومة باعتباره قاطرة “المغرب الجديد”، كان هدفه المعلن تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات وخلق 500 ألف منصب شغل بين 2022 و2026.
لكن المعطيات الحكومية نفسها تشير إلى أن المشاريع التي تمت المصادقة عليها تجاوزت 582 مليار درهم، مقابل وعود بإحداث حوالي 283 ألف منصب شغل فقك، أي أننا أمام استثمارات ضخمة جدا، لكن بأثر اجتماعي محدود مقارنة بحجم الأموال المرصودة، ما يعني أن الاقتصاد المغربي أصبح ينتج الثروة أكثر مما يوزعها.
فالنمو موجود على الورق، لكن ثماره تذهب إلى أقلية تستفيد من الامتيازات والصفقات والاحتكار والريع، بينما الأغلبية تكتفي بمشاهدة الأرقام في فيديوهات الحكومة، ولهذا يشعر المواطن بأن هناك “مغربين”، مغرب الاستثمارات العملاقة والأرباح الكبرى والإعفاءات، ومغرب الشباب العاطل والطبقة المتوسطة المنهكة والقدرة الشرائية المنهارة.
فالاستثمار في المغرب، كما يبدو اليوم، صار يخلق الثروة بسرعة أكبر مما يخلق العدالة الاجتماعية، وتحول جزء منه إلى آلية لإعادة تركيز الثروة داخل نفس الدوائر الاقتصادية المستفيدة من النفوذ والاحتكار، بدل أن يكون رافعة حقيقية لتوسيع الطبقة الوسطى وتحقيق الإدماج الاقتصادي الحقيقي.
أما السياحة، فهي ربما أكثر محور كشف التناقض بين الأرقام والواقع، فالحكومة تحتفل بعدد السياح، وتتحدث عن أرقام قياسية، لكن السؤال الحقيقي ليس: كم دخل المغرب من السائحين، بل: كم دخل من الأموال، لأن الفرق كبير بين سياحة تصنع القيمة المضافة وسياحة “الباكاج الاقتصادي”، فالمغرب استقبل خلال سنة 2025 حوالي 19.8 مليون سائح.
وهو رقم قياسي غير مسبوق، فيما بلغت مداخيل السياحة حوالي 124 مليار درهم، وهي أرقام تستعملها الحكومة بكثافة لتقديم القطاع كقصة نجاح كبرى، لكن رغم هذا الارتفاع الكبير في عدد الوافدين، يبقى السؤال المطروح هو هل تعكس هذه الأرقام فعلا قوة النموذج السياحي المغربي، أم فقط تضخم السياحة منخفضة التكلفة، لأن المقارنة مع دول منافسة تكشف أن المغرب، رغم مؤهلاته الطبيعية والثقافية الهائلة، ما يزال يحقق عائدات أقل من الإمكانيات المتاحة،
وهو ما يعني أن جزءا مهما من السياح يستهلكون بأقل كلفة ممكنة، دون أثر قوي على الاقتصاد المحلي، لذلك أصبحنا أمام سياحة رقمية أكثر منها تنموية، سياحة تحقق صورا جميلة على إنستغرام وفيديوهات ترويجية براقة، لكنها لا تنعكس دائما على التشغيل المحلي والتنمية الترابية وتحسين ظروف عيش الساكنة.
والدليل أن مدنا سياحية كبرى ما تزال تعاني الفوضى وضعف البنيات التحتية وغلاء الأسعار وتراجع جودة الخدمات، بينما جزء مهم من العائدات يذهب إلى شركات كبرى وفنادق ومجموعات تستفيد من الامتيازات.
في حين يبقى العامل البسيط في القطاع يعيش الهشاشة الموسمية وضعف الأجور، وكأن المغرب نجح في تصدير صورة سياحية جذابة للعالم، لكنه لم ينجح بعد في تحويل السياحة إلى رافعة حقيقية للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
أما في محور الصحة، فقد حاول أخنوش تقديم القطاع وكأنه يعيش لحظة تحول تاريخية غير مسبوقة، متحدثا عن تعميم التغطية الصحية وبناء مستشفيات جديدة وإصلاح المنظومة، مع الإشارة إلى تنزيل مشروع المجموعات الصحية الترابية باعتباره أحد أعمدة الإصلاح الجديد للقطاع.
وهي المجموعات التي يفترض أن تعيد تنظيم العرض الصحي جهويا وتوحد مسارات العلاج والتدبير الصحي داخل الجهات، غير أن ما غاب عن هذا الخطاب هو أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بالقوانين والهياكل الجديدة، بل بقدرة المواطن الفعلية على الولوج للعلاج في ظروف تحفظ الكرامة والجودة، لأن الواقع يكشف أن الحكومة تتجه تدريجيا نحو تكريس نموذج صحي يقوم على توسيع دور القطاع الخاص أكثر من تقوية المستشفى العمومي.
فالمواطن الذي يحصل اليوم على التغطية الصحية يكتشف بسرعة أن الولوج الحقيقي للعلاج ما يزال معقدا داخل المستشفيات العمومية بسبب الاكتظاظ ونقص الأطر الطبية وضعف التجهيزات وطول المواعيد، ما يدفعه مرغما نحو المصحات الخاصة، وكأن الدولة أصبحت تؤدي دور الوسيط الذي يسجل المواطنين في “أمو” ثم يوجههم بشكل غير مباشر إلى السوق الصحية الخاصة.
والأخطر أن معطيات رسمية كشفت أن حوالي 90 في المئة من مصاريف تعويضات التغطية الصحية تذهب لفائدة القطاع الخاص، ما يعني أن الجزء الأكبر من الأموال التي تضخ داخل منظومة التأمين الصحي لا يعزز المستشفى العمومي بقدر ما ينعش المصحات والمختبرات الخاصة.
بينما يبقى المواطن البسيط عالقا بين ضعف الخدمات العمومية وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص، وهنا تظهر المفارقة الحقيقية، فالحكومة تتحدث عن “إصلاح صحي تاريخي”، بينما المواطن ما يزال يؤدي من جيبه ثمن التحاليل والأدوية والفحوصات، ويضطر أحيانا للاقتراض أو بيع ممتلكاته من أجل العلاج، لأن التغطية الصحية وحدها لا تعني شيئا إذا لم يكن هناك عرض صحي عمومي قوي وقادر على الاستجابة.
كما أن توسيع قاعدة المستفيدين لم يواكبه توسيع حقيقي للبنيات الصحية والموارد البشرية، في ظل استمرار هجرة الأطباء وخصاص الأطر الطبية، ليصبح المواطن أمام وضع عبثي، بطاقة علاج في الجيب، لكن العلاج الحقيقي والجودة الحقيقية في كثير من الحالات لا يجدها إلا داخل المصحات الخاصة، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من هذا الإصلاح يبدو أقرب إلى إعادة تنظيم تمويل العلاج لفائدة القطاع الخاص أكثر من كونه إعادة بناء فعلية لمنظومة صحية عمومية قوية وعادلة.
وفي محور الاستثمار، تحدث أخنوش عن مئات المليارات ومشاريع ضخمة وميثاق استثمار جديد، لكن المواطن البسيط لديه سؤال بسيط جدا، إذا كانت كل هذه الاستثمارات موجودة، فلماذا لا يشعر بها؟ لماذا لا تنخفض البطالة؟ لماذا لا تتحسن القدرة الشرائية؟ لماذا يزداد الإحساس بالهشاشة؟ الحقيقة أن الاقتصاد المغربي يعيش مفارقة حقيقية، نمو في المؤشرات الماكرو اقتصادية، لكن ضعف في الأثر الاجتماعي، بمعنى آخر، هناك اقتصاد يتحرك، لكن الثروة لا تتسرب بشكل عادل إلى المجتمع.
المشكلة في فيديو أخنوش ليست فقط في الأرقام، بل في طريقة تقديمها، فالفيديو حاول رسم صورة مثالية لبلد يعيش نجاحا شاملا، بينما المغاربة يعيشون يوميا ضغط الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة العلاج، وأزمة التعليم، وغلاء المعيشة.
ولذلك بدا الفيديو منفصلا عن الواقع، وكأنه خطاب موجه إلى الأسواق المالية والمؤسسات الدولية أكثر من كونه موجه للمواطن المغربي، خرجة أخنوش التواصلية لم تكن “حصيلة حكومة”، بل كانت أقرب إلى “إعلان انتخابي فاخر”، بميزانية إنتاج محترمة، لكن بمحتوى يعاني من فجوة كبيرة بين لغة الأرقام ولغة الشارع، فالمغاربة اليوم لا يريدون فيديوهات طويلة، بل يريدون جوابا بسيطا، لماذا أصبح العيش أصعب رغم كل هذه “الإنجازات القياسية”؟