أيوب بوعدي.. أسد صغير بقلب قائد يفتح شهية ريال وبرشلونة

في سن الثامنة عشرة، يظهر أيوب بوعدي كأنه خرج من مدرسة كروية أكبر من عمره بكثير. هادئ في ملامحه، صارم في قراراته، جريء في لمساته، وذكي في قراءة المساحات، حتى صار اسمه واحدا من أبرز حكايات المنتخب المغربي في كأس العالم 2026، بعدما خطف الضوء داخل وسط الميدان وفرض نفسه رقما صعبا في حسابات “أسود الأطلس” وكبار أوروبا.

لم يحتج لاعب ليل الفرنسي إلى وقت طويل كي يعلن حضوره. منذ أول مباراة أمام البرازيل، بدا واضحا أن المغرب يملك لاعبا مختلفا في قلب الملعب. واجه كاسيميرو وبرونو غيماريش بثبات كبير، وخرج من الضغط ببرودة نادرة، ووزع الكرات بثقة لاعب خبر البطولات الكبرى، لا شاب يخوض أولى فصوله العالمية.

وتواصل صعود بوعدي خلال مباريات المنتخب المغربي في دور المجموعات، قبل أن يقدم عرضا قويا أمام هولندا، حيث بلغت دقة تمريراته 90 في المائة، ولمس الكرة 73 مرة، وسدد مرتين على المرمى، رغم طبيعة مركزه الدفاعي. أرقام منحت صورته بريقا إضافيا، ودفعت الجماهير والمتابعين إلى الحديث عن ميلاد قائد جديد في وسط “أسود الأطلس”.

هذا التوهج لم يمر دون صدى في أوروبا. مانشستر سيتي، آرسنال، ريال مدريد، برشلونة وباريس سان جيرمان وضعوا اللاعب تحت المتابعة، بينما رفع نادي ليل سقف قيمته إلى ما يعادل 69 و86 مليون جنيه إسترليني، في سباق مرشح للاشتعال مع استمرار حضوره القوي في المونديال.

قصة بوعدي بدأت في مدينة سانليس شمال باريس، حيث ولد وشق طريقه مبكرا نحو الكرة الاحترافية. داخل ليل، فتح الباب الأول للفريق الأول بعد ثلاثة أيام من بلوغه 16 سنة، في إشارة مبكرة إلى موهبة استثنائية، قبل أن يصل إلى 96 مباراة بقميص النادي الفرنسي، وهو رقم نادر للاعب في عمره.

وخلال الموسم الماضي، خاض 30 مباراة بإجمالي 2329 دقيقة، متقدما على عدد من أبرز مواهب سنه في الدوريات الأوروبية الكبرى، ضمنهم لامين يامال في مؤشرات الحضور والدقائق والتأثير الدفاعي. كما استعاد الكرة 151 مرة، ونفذ 59 تدخلا ناجحا، وحقق 27 اعتراضا، مؤكدا أنه لاعب وسط بقدرات دفاعية عالية وذكاء تكتيكي واضح.

قوة بوعدي لا تأتي من الأرقام وحدها، فالشاب المغربي يجيد اللعب كارتكاز، وسبق له الظهور كظهير أيمن، ويملك قدرة لافتة على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، والخروج بها نحو الأمام دون ارتباك. يجمع افتكاك الكرة، والتمرير الهادئ، وتغيير الإيقاع، في توليفة جعلته مادة مغرية للمدربين الباحثين عن لاعب وسط عصري.

على الصعيد الدولي، مر بوعدي عبر منتخبات فرنسا السنية، قبل أن يحسم قلبه وقراره لصالح المغرب. صورة قديمة له سنة 2018، وهو في العاشرة من عمره بقميص المنتخب المغربي داخل مدرجات كأس العالم، اختصرت الكثير من الحكاية. لم يكن الاختيار قرارا رياضيا باردا، كان امتدادا لانتماء عاش داخله منذ الطفولة.

ومع ظهوره الأول رفقة المنتخب المغربي في ماي الماضي، ثم مشاركته في أربع مباريات بكأس العالم، صار بوعدي جزءا من جيل يكتب صفحة جديدة للكرة المغربية. حضوره ساهم في بلوغ “أسود الأطلس” ربع النهائي، حيث تنتظرهم مواجهة ثقيلة أمام فرنسا، البلد الذي تكون فيه كرويا قبل أن يختار الدفاع عن ألوان المغرب.

بعيدا عن العشب، يحمل بوعدي صورة شاب منضبط وذكي. حصل على شهادة الثانوية العامة في الرياضيات والفيزياء، واشتهر منذ صغره بحب القراءة والحرص على الدراسة، وابتعاده عن عادات كثيرة لدى أبناء جيله. حتى في البطولات، كان معروفا باختياراته الغذائية الصارمة، ورفضه الوجبات السريعة.

لذلك، لا ينظر المغاربة إلى أيوب بوعدي كموهبة كروية واعدة وحدها، وإنما كنموذج جديد للاعب المغربي الحديث: موهوب، هادئ، مثقف، منضبط، ويعرف جيدا معنى القميص الذي يرتديه. في مونديال 2026، لم يقدم المغرب لاعبا شابا فحسب، بل قدم وجها جديدا لطموح كروي يكبر بسرعة.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك