هاستاف
بدأ الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني زيارة دولة إلى باريس، بدعوة رسمية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، وتعد الأولى من نوعها منذ نحو ثلاثة عقود.
هذه الزيارة تأتي في توقيت حساس، يتسم بتحولات متسارعة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ما يمنحها بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي نحو إعادة رسم ملامح الشراكة بين البلدين.
ووفق معطيات دبلوماسية، يسعى الطرفان إلى إرساء “شراكة استراتيجية” جديدة تشمل مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، إلى جانب تحديث اتفاقيات التعاون الاقتصادي، خاصة في قطاعات الطاقة والمعادن.
وتراهن باريس على نواكشوط كحليف مستقر في منطقة فقدت فيها الكثير من نفوذها خلال السنوات الأخيرة، في ظل توتر علاقاتها مع عدد من الأنظمة العسكرية في دول الساحل.
وتأتي هذه الدينامية في سياق أمني إقليمي معقد، حيث تواجه موريتانيا تحديات متزايدة على حدودها مع مالي، في ظل تحركات عسكرية متكررة وتوترات تؤثر على الاستقرار الحدودي.
و تتزامن الزيارة مع اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ما يدفع نواكشوط إلى البحث عن شركاء قادرين على دعم أمنها الطاقوي وجذب الاستثمارات، خصوصاً مع تنامي أهمية مواردها الغازية والمعدنية.
في هذا المشهد يبرز المغرب كفاعل إقليمي محوري رغم غيابه الرسمي عن أجندة الزيارة. فالعلاقات المغربية-الموريتانية شهدت تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى المبادلات التجارية أو التنسيق الأمني، ما يجعل أي تقارب بين باريس ونواكشوط ذا صلة غير مباشرة بالمصالح المغربية، خاصة في ما يتعلق بتأمين الفضاء الأطلسي وممرات غرب إفريقيا.
وبين رهانات الأمن والطاقة وإعادة التموضع الجيوسياسي، تعكس زيارة الغزواني إلى باريس توجهاً نحو بناء تحالفات جديدة قائمة على الاستقرار والبراغماتية. وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو صياغة توازنات جديدة، يكون فيها المغرب وموريتانيا شريكين أساسيين في هندسة الأمن الإقليمي، إلى جانب فرنسا التي تسعى لاستعادة دورها عبر بوابة الشراكات الاستراتيجية.