انتخابات 2026 تدخل معركة كسر العظام بلا مرشحين ولا ناخبين

دخلت الأحزاب السياسية فعليا مرحلة ما قبل الحسم الانتخابي، بعد أن ثبتت الحكومة موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، مع انطلاق الحملة الرسمية يوم 10 شتنبر وانتهائها عند منتصف ليلة 22 شتنبر، وهو ما فتح الباب أمام تعبئة سياسية مبكرة ورفع منسوب التوتر داخل الحقل الحزبي. 

ورغم أن العد العكسي بدأ رسمياً، فإن صورة الفائز المحتمل ما تزال بعيدة عن الوضوح، حيث إن التنظيمات الحزبية تتحرك بكثير من الحذر، فيماالأحزاب الكبرى تبدو منشغلة أكثر بإعادة ترتيب مواقعها الداخلية وضبط توازناتها التنظيمية منها بإعطاء إشارات حاسمة حول قدرتها على حسم الصدارة.

لذلك تبدو انتخابات 2026 مفتوحة على تنافس بارد في الشكل، ساخن في العمق، عنوانه الرئيسي غياب أفضلية مريحة لأي طرف.

وفي قلب الخريطة السياسية، يحاول حزب الاستقلال تقديم نفسه كقوة جاهزة للعودة بقوة إلى الواجهة، مستنداً إلى رصيد تنظيمي وخبرة طويلة في تدبير السلطة والتحالفات. ويشتغل الحزب على تثبيت صورته كفاعل قادر على التحرك داخل الأغلبية وخارجها، مع الحرص على الظهور بوجه الحزب المتماسك الذي يعرف كيف يفاوض ويصبر ويقتنص اللحظة.

في المقابل، يدخل التجمع الوطني للأحرار المرحلة الحالية تحت ضغط أسئلة ثقيلة. الحزب الذي تصدر انتخابات 2021 لم يعد يتحرك بالارتياح نفسه، خصوصاً في ظل تآكل صورة الحكومة واتساع الانتقادات المرتبطة بالغلاء والقدرة الشرائية وتراجع الثقة السياسية، حيث أن الرهان بالنسبة إليه لم يعد مرتبطاً فقط بالحفاظ على الصدارة، بل بكيفية تفادي دفع ثمن سياسي باهظ عنوانه الواضح: إنهاك صورة الحزب القائد للأغلبية.

أما الأصالة والمعاصرة، فيواصل التحرك في منطقة وسطى بين طموح المنافسة ورغبة البقاء داخل معادلة التأثير، إذ أن الحزب يملك وزناً تنظيمياً وحضوراً ترابياً، لكنه ما يزال يبحث عن التوازن الذي يسمح له بتحويل ذلك الوزن إلى قوة انتخابية صافية، في ظل تراكمات داخلية سابقة وصعوبة إنتاج خطاب سياسي قادر على جمع الانضباط التنظيمي والجاذبية الشعبية في آن واحد.

ومن جانبه، يحاول العدالة والتنمية إعادة لملمة صورته بعد السقوط العنيف في انتخابات 2021. عودة الحزب إلى رفع نبرة الخطاب وتكثيف الحضور السياسي تعكس رغبة واضحة في استرجاع جزء من المجال الذي فقده، لكنه ما يزال يواجه سؤالاً صعباً: هل يملك فعلاً القدرة على التحول من حزب نجا من الصدمة إلى حزب قادر على قلب المعادلة؟

وبين هذه القوى الأربع، تبقى بقية الأحزاب حاضرة في الهامش المتحرك للمشهد، تحاول تحسين شروط التفاوض أكثر من سعيها الفعلي إلى قيادة السباق (..) بعضها يراهن على التموقع داخل تحالفات ما بعد الاقتراع، وبعضها الآخر يكتفي بالسعي إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الحضور داخل برلمان جديد قد يعيد إنتاج جزء من التوازنات الحالية بصيغ مختلفة.

ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي، لا يقف عند من سيحل أولاً ومن سيأتي ثانياً. السؤال الأكبر يوجد خارج المقرات الحزبية: هل سيعود الناخب المغربي إلى صناديق الاقتراع بكثافة، أم أن العزوف سيواصل فرض نفسه كأكبر حزب صامت في البلاد؟ فالدولة حددت الموعد، وضبطت القواعد، وهيأت الإطار القانوني والمؤسساتي، لكن ما يمنح أي انتخابات معناها السياسي ليس شكل الملعب، بل عدد من يدخل إليه.

لهذا تبدو تشريعيات 2026 أقرب إلى مباراة سياسية كبرى تعرف أسماء اللاعبين، وتعرف تاريخ صافرة البداية، لكنها لا تعرف بعد حجم الجمهور الذي سيحضر.

وإذا استمرت الهوة بين الأحزاب والمجتمع على حالها، فإن الخطر لن يكون في فوز هذا الحزب أو ذاك، بل في أن تجري المنافسة مرة أخرى أمام مدرجات باردة، وهو ما سيجعل أي انتصار انتخابي ناقص الشرعية الرمزية، مهما كانت قوته الحسابية.

فخلال الأشهر القليلة المقبلة، ستتكثف التحالفات، وسترتفع حرارة الخطاب، وستخرج الأحزاب من مرحلة الجس النبضي إلى مرحلة الاشتباك المفتوح. لكن الحقيقة التي تفرض نفسها الآن هي أن المغرب لا يقف فقط أمام سؤال من سيربح انتخابات 2026، بل أمام سؤال أشد حساسية: من سيقنع المغاربة بأن السياسة ما تزال تستحق عناء الذهاب إلى الصندوق؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك