مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، رفعت الأحزاب السياسية من وتيرة حضورها في الفضاء العمومي، عبر لقاءات تواصلية وخطابات تؤكد الالتزام بمحاربة الفساد وتعزيز الشفافية وتخليق الحياة العامة.
وفي موازاة هذا الحضور، عاد النقاش حول مدى احترام الأحزاب لقواعد الحكامة المالية في تدبير الدعم العمومي المخصص لها.
ويشكل الدعم العمومي الموجه إلى الأحزاب، وفق الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية بالمغرب، جزءا من المال العام المخصص لدعم التأطير السياسي للمواطنين، وتمويل الحملات الانتخابية، وإنجاز الدراسات والأنشطة المرتبطة بالممارسة الديمقراطية.
ويخضع صرف هذه الموارد لمقتضيات قانونية محددة، كما يدخل ضمن المراقبة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات في إطار اختصاصاته الدستورية المتعلقة بتتبع تدبير المال العام.
وفي هذا السياق، أورد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات معطيات تهم كيفية تدبير الأحزاب لهذا الدعم، حيث أشار إلى أن عددا منها قام بإرجاع مبالغ مالية غير مستعملة إلى خزينة الدولة، في حين سجل استمرار 15 حزبا في عدم إرجاع مبالغ من الدعم العمومي لم يتم تبرير صرفها أو لم تستعمل في الأغراض المخصصة لها.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية واضحة في النقاش العمومي، بحكم ارتباطها بالمال العام الذي يفترض أن يخضع لمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ تحضر بقوة في الخطاب الحزبي، خاصة خلال الفترات التي تسبق المواعيد الانتخابية.
ومن الناحية القانونية، يفرض تدبير الدعم العمومي على الأحزاب التزامات دقيقة، من بينها تقديم حسابات مدعومة بالوثائق المثبتة للنفقات، مع إرجاع المبالغ غير المستعملة أو غير المبررة إلى خزينة الدولة داخل الآجال المحددة.
ويهدف هذا الإطار إلى ترسيخ الشفافية في تدبير الموارد العمومية المخصصة للعمل الحزبي، ودعم الثقة في المؤسسات السياسية.
في المقابل، فإن استمرار الملاحظات المرتبطة بعدم إرجاع بعض المبالغ أو بضعف تبرير صرفها يعيد طرح أسئلة حول مدى التزام بعض الأحزاب بالمعايير نفسها التي تدعو إلى احترامها في تدبير الشأن العام.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، يزداد حضور هذا الملف داخل النقاش الديمقراطي، اعتبارا لكون مصداقية الخطاب الحزبي ترتبط أيضا بمدى احترام قواعد الشفافية والمساءلة في تدبير الموارد العمومية الموضوعة رهن إشارة الأحزاب.
ويعيد هذا المعطى إلى الواجهة سؤال الثقة في العمل السياسي، انطلاقا من أن تخليق الحياة العامة يمر عبر احترام القانون في تدبير المال العام داخل الفضاء الحزبي، وترسيخ ثقافة المحاسبة في الممارسة السياسية.