أين تبخرت مليارات النقل؟!.. تقارير رسمية تفتح أخطر ملفات الدعم بالمغرب

عاد ملف دعم قطاع النقل بالمغرب إلى الواجهة، في ضوء معطيات وتقارير رسمية أعادت طرح أسئلة قوية حول مدى انعكاس المبالغ المالية المرصودة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في النقل الطرقي الذي استفاد من دعم تجاوز 10 مليارات درهم.

وتفيد المعطيات المتوفرة بأن هذا الدعم كان يفترض أن ينعكس على مستوى أسعار أكثر توازنا، وخدمات أفضل، ومحطات طرقية تستجيب لانتظارات المرتفقين، غير أن تقارير رسمية، من بينها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، أعادت تسليط الضوء على استمرار عدد من الاختلالات البنيوية التي ما تزال تؤثر على أداء هذا القطاع الحيوي.

وسجلت هذه التقارير أن قطاع النقل الطرقي ما يزال يواجه أعطابا مرتبطة بالتنظيم وضعف آليات المراقبة ومشاكل في تدبير المحطات الطرقية، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على تجربة المواطنين في التنقل والسفر، وتعيد إلى الواجهة النقاش حول مدى نجاعة الدعم العمومي عندما لا يقترن بنتائج ملموسة على أرض الواقع.

ويطرح هذا الوضع، وفق متابعين، إشكالية الحكامة في تدبير الدعم العمومي، باعتبار أن الرهان لا يرتبط فقط بحجم الأموال المرصودة، وإنما بكيفية صرفها وآليات تتبع أثرها الحقيقي داخل السوق وعلى مستوى جودة الخدمات، حيث أن الدعم في جوهره يفترض أن يشكل وسيلة لتحقيق التوازن وتحسين الأداء، لا ضخ مالي تغيب معه مؤشرات الأثر والنجاعة.

ويزداد تعقيد هذا الملف بالنظر إلى طبيعة قطاع النقل في المغرب، الذي يعرف تداخلا بين عدد كبير من الفاعلين والمهنيين، في ظل استمرار أنماط تنظيمية تقليدية تجعل ورش الإصلاح أكثر صعوبة.

ومع ذلك، فإن صعوبة الإصلاح لا تعفي من ضرورة التسريع بإجراءات عملية قادرة على معالجة الاختلالات القائمة.

وفي السياق نفسه، لا يقتصر النقاش على النقل الطرقي وحده، إذ تشير التقارير ذاتها إلى تحديات مطروحة في مجال النقل البحري، حيث ما يزال حضور الأسطول البحري الوطني محدودا رغم الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة، وهو ما يثير تساؤلات حول القدرة على تعزيز السيادة اللوجستيكية للمغرب في سياق دولي أصبحت فيه سلاسل الإمداد عنصرا حاسما في التنافس الاقتصادي.

كما يبرز في قطاع النقل الجوي مطلب تحديث الإطار القانوني والتنظيمي بما ينسجم مع المعايير الدولية المرتبطة بالسلامة والأمن الجويين، خاصة في ظل طموح المملكة إلى تعزيز موقعها كوجهة سياحية واستثمارية وكمنصة إقليمية للربط والنقل.

وتعيد هذه المعطيات النقاش إلى ما بعد مرحلة التشخيص، إذ يرى متتبعون أن القيمة الحقيقية لتقارير المجلس الأعلى للحسابات تتجلى في مدى تحويل توصياتها إلى قرارات إصلاحية واضحة، وإلى إجراءات عملية تعيد ترتيب أولويات القطاع، وتربط الدعم العمومي بمؤشرات أداء ونتائج محسوسة في حياة المواطنين.

وفي ظل طموح المغرب إلى ترسيخ مكانته كمركز لوجستيكي إقليمي، مدعوما بموقعه الجغرافي وبنيات تحتية مهمة من موانئ وطرق ومطارات، يظل الرهان الأساسي مرتبطا بإرساء حكامة قوية في تدبير قطاع النقل، بما يضمن أن ينعكس المال العام فعليا على جودة الخدمة، وأن يشعر المواطن بأن الدعم المعلن يصل إلى أثر ملموس في تنقلاته اليومية.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك