تشهد القارة الإفريقية تحولا لافتا في طبيعة الجرائم المرتبطة بالهوية الرقمية، حيث لم تعد محاولات الاحتيال تقتصر على إنشاء حسابات مزيفة، بل اتجهت بشكل متزايد نحو الاستيلاء على حسابات قائمة، في مؤشر على تطور أساليب الشبكات الإجرامية.
وتكشف المعطيات الحديثة أن هذه الهجمات أصبحت أكثر تنظيما واعتمادا على الأتمتة، ما مكن منفذيها من تنفيذ عمليات متكررة وعلى نطاق واسع، في إطار منظومات إجرامية تتسم بالتنسيق والدقة.
ويعكس هذا التحول تغيرا في منطق الاستهداف، إذ باتت الحسابات الحقيقية تشكل هدفا رئيسيا نظرا لما توفره من مصداقية جاهزة وإمكانيات ولوج فوري إلى خدمات مالية ورقمية، دون الحاجة إلى تجاوز مراحل التحقق الأولية.
كما ساهم التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات هذه الشبكات، حيث أصبح إنتاج محتويات مزيفة عالية الجودة، سواء عبر الصور المركبة أو الوثائق المعدلة أو تقنيات التزييف العميق، أمرا متاحا بتكلفة منخفضة، ما يزيد من صعوبة اكتشاف هذه العمليات.
وفي هذا السياق، لم تعد الهجمات محصورة في مرحلة إنشاء الحسابات، بل امتدت إلى مختلف مراحل استعمالها، خاصة عند تسجيل الدخول أو تعديل البيانات أو تنفيذ المعاملات المالية، وهي مراحل غالبا ما تكون أكثر عرضة للاختراق.
وتبرز الأرقام هذا التحول بوضوح، إذ تفوق محاولات الاحتيال المرتبطة بعمليات التحقق والدخول تلك المسجلة عند إنشاء الحسابات بعدة أضعاف، ما يعكس انتقال مركز الثقل نحو استهداف الأنظمة من الداخل.
وفي السياق المغربي، تم تسجيل مؤشرات مقلقة، من بينها رصد ملايين بيانات الولوج المرتبطة بمستخدمين مغاربة على الشبكة المظلمة، إضافة إلى تزايد الأنشطة المرتبطة بالهجمات الرقمية.
كما أظهرت التطورات الأخيرة محدودية بعض آليات التحقق التقليدية، حيث لم تعد الصور أو الوثائق كافية للكشف عن التلاعب، في ظل اعتماد المهاجمين على تقنيات متقدمة تجعل من الصعب التمييز بين البيانات الحقيقية والمزيفة.
وأمام هذا الواقع، تجد المؤسسات نفسها مطالبة بتطوير مقاربات جديدة للأمن الرقمي، تقوم على المراقبة المستمرة لسلوك المستخدمين وتحليل المعطيات التقنية، بدل الاقتصار على إجراءات التحقق الأولي.
ويؤكد هذا التحول أن حماية الهوية الرقمية لم تعد مجرد إجراء تقني، بل أصبحت عنصرا محوريا في منظومة الأمن الشامل، في ظل بيئة رقمية تتسم بتزايد التهديدات وتعقيدها.