عندما وصلت حكومة عزيز أخنوش إلى السلطة، دخلت بخطاب منتفخ بالثقة، محمّل بوعود رفعت سقف الانتظارات إلى أعلى مستوى وقيل للمغاربة إن مرحلة جديدة بدأت، وإن القدرة الشرائية ستتنفس، وإن الشغل سيتوسع، وإن الاقتصاد سيستعيد نبضه، وإن الدولة الاجتماعية ستغادر الورق نحو حياة الناس.
اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية، تقف الحصيلة في مواجهة الشارع، وتظهر الصورة أكثر قسوة من كل البلاغات الأنيقة.
الحكومة وعدت الناس بالتحسن، فوجد الناس أنفسهم أمام موجة غلاء أكلت الأخضر واليابس. اللحم صار عبئا، والسردين الذي كان يحمل لقب “سمك الفقراء” صار بعيدا عن كثير من الموائد، والمواد الأساسية دخلت سباقا محموما مع جيوب أنهكها الانتظار.
هنا توجد الحصيلة الحقيقية، في السوق، في وجه الأب الذي يحسب ثمن وجبة، وفي قلق الأسرة التي صارت تقاوم الغلاء كل يوم وكأنها تواجه حرب استنزاف مفتوحة.
المؤلم أن الحكومة جاءت وهي ترفع راية حماية القدرة الشرائية، ثم انتهت إلى مرحلة صار فيها الحديث عن الأسعار عنوانا دائما للغضب.
لا أحد يقدر على إقناع الناس بوجود انفراج بينما الأثمان تلتهم الدخل، ولا أحد يقدر على بيعهم خطاب النجاح بينما كلفة الحياة ترتفع بهذا الشكل القاسي. السياسة تفقد معناها حين تصطدم المعيشة اليومية بجدار الخيبة.
ثم يأتي ملف الديون، وهو الملف الذي يفضح الكثير حين تحاول الخطابات إخفاءه (..) الدين الخارجي صعد، والدين العمومي تضخم، والضغط على المالية العمومية صار أوضح من أن يخفى.
صحيح أن العالم عرف اضطرابات عنيفة، من الجائحة إلى الحرب إلى صدمات الطاقة، لكن الصحيح أيضا أن الحكومات تبرهن على قوتها في زمن الأزمات، لا في زمن الراحة وعندما ترتفع الاستدانة بهذا الحجم، ويبقى أثرها باهتا في حياة الناس، يصبح السؤال مشروعا: أين ذهبت الأموال، ولماذا لا تظهر نتائجها في الصحة والتعليم والشغل والقدرة الشرائية؟
أما البطالة، فهي الجرح الذي ظل مفتوحا طوال هذه الولاية و أرقام العاطلين ارتفعت، والشباب دخل في حلقة إحباط أشد قسوة، والهجرة تحولت عند كثيرين إلى أفق وحيد للهروب من انسداد الأفق.
حكومة رفعت شعار فرص الشغل انتهت إلى واقع يوسع طوابير الانتظار، ويعمق الشك في الوعود التي وُزعت بسخاء في بداية الطريق.
وفي الفلاحة والغذاء، انكشف ضعف كبير في البنية والسياسات. القطيع تراجع، أسعار اللحوم انفجرت، والواردات ارتفعت، والسوق صار رهينة للخارج أكثر من أي وقت مضى والجفاف عامل ثقيل دون شك، غير أن الجفاف وحده لا يصنع كل هذا الارتباك وهناك عطب في الرؤية، ضعف في الاستباق، خلل في ترتيب الأولويات، ونتيجة دفعت المواطن ثمنها من قوته اليومي.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، تبرز مفارقة قاسية تحمل قدرا عاليا من الاستفزاز وعدد الأثرياء يرتفع، وعدد المليونيرات يتزايد، والثروة تتركز أكثر، فيما تتوسع دائرة الهشاشة والفقر والقلق الاجتماعي و كأن هناك بلدين يتحركان في جغرافيا واحدة: بلد يراكم الثروة في أعلى السلم، وبلد يراكم التعب في أسفله.
هنا بالضبط يشتد السؤال حول العدالة الاجتماعية، وحول معنى السياسات العمومية حين تكبر الفجوة بهذا الشكل المؤلم.
حتى ملف الشفافية ومحاربة الفساد لم يمنح هذه المرحلة شهادة ارتياح والمؤشرات الدولية لم تحمل أخبارا مطمئنة، والنقاش العمومي ظل يلاحق الحكومة بأسئلة محرجة حول الحكامة، وتضارب المصالح، وفعالية الإصلاحات.
كان منتظرا من حكومة يقودها رجال قدموا أنفسهم كعنوان للكفاءة أن تطمئن المغاربة، وأن تقدم صورة صارمة في النزاهة والوضوح، لكن ما حدث أن الريبة ظلت قائمة، وأن الثقة لم تنمُ بالقدر الذي كان يحتاجه هذا المسار.
وفي التعليم والصحة، استمر الاحتقان، وتواصل الجدل، وتكرست صورة إصلاحات تثير التوتر أكثر مما تزرع الطمأنينة و المدرسة دخلت في دوامة من الأعطاب والنزاعات، والقطاع الصحي ظل تحت ضغط كبير، والكفاءات تهاجر، والقطاع الخاص يتمدد، فيما المواطن البسيط يبحث عن خدمة تحفظ له كرامته وحقه في العلاج والتعلم. هذا هو الامتحان الحقيقي لأي حكومة تزعم حمل مشروع اجتماعي.
أنصار الحكومة يكررون أن الظرفية الدولية كانت ثقيلة، وأن الأزمات جاءت متلاحقة، وأن المغرب وجد نفسه وسط عاصفة عالمية وهذا صحيح في جزء منه. لكن الجزء الآخر من الحقيقة يقول إن أثر السياسات ظهر ثقيلا على الفئات الضعيفة، وإن الحس الاجتماعي لم يحضر بالقوة المطلوبة، وإن الناس لم يلمسوا فارقا يبرر كل هذا الخطاب المتفائل.
إن حصيلة هذه الحكومة توجد في السوق أكثر مما توجد في التقارير، في البطالة أكثر مما توجد في المنصات، في الفوارق الاجتماعية أكثر مما توجد في المؤتمرات وتوجد في ثمن اللحم والسردين، في فاتورة المعيشة، في قلق الشباب، في توسع الهشاشة، وفي شعور عام يتسع كل يوم بأن الوعود كانت أكبر بكثير من النتائج.
إن الكلمة ستبقى للناخب المغربي. هو من سيحسم، عند اقتراب الصندوق، هل كانت هذه التجربة تستحق الاستمرار، أم أن البلاد تحتاج إلى تغيير يعيد للسياسة معناها، ويعيد للمواطن شيئا من الثقة التي استهلكتها سنوات الوعود الثقيلة والنتائج الصغيرة.