تفجر مشروع “مدارس الريادة” من جديد في واجهة الجدل السياسي، بعدما فجرت صفقات مالية مرتبطة بتقييم هذا الورش التربوي سيلاً من الأسئلة المحرجة حول الحكامة والشفافية، في وقت تصره وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على تقديمه كأحد أعمدة إنقاذ المدرسة العمومية.
وتزامن هذا الجدل مع تسجيل عدد من الإشكالات داخل المؤسسات التعليمية المعنية بالمشروع، من بينها نقص بعض المقررات الدراسية في بداية الموسم، وظهور سوق سوداء للكتب المدرسية، إلى جانب اختلالات تنظيمية رافقت بعض فروض المراقبة المستمرة وامتحانات الدورة الأولى.
وانتقل الملف إلى البرلمان بعد توجيه النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الله بوانو سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، طالب فيه بتوضيحات حول إسناد مهمة تقييم “مدارس الريادة” إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، معتبرا أن هذه المهمة تدخل ضمن اختصاصات الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
وأثار السؤال البرلماني أيضا مسألة إعداد دفاتر التحملات وتفويت بعض المهام المرتبطة بالتقييم إلى مكاتب دراسات خاصة، معتبرا أن ذلك يطرح إشكالا مؤسساتيا يتصل بتداخل الاختصاصات بين الهيئات المعنية بتقييم السياسات العمومية في مجال التعليم.
وزاد الجدل حدة بعد تداول معطيات حول تخصيص اعتمادات مالية مهمة لعمليات مرتبطة بتقييم المشروع، من بينها نحو 2.2 مليار سنتيم للتحقق من أثر العطل البينية على التحصيل الدراسي، وحوالي 1.6 مليار سنتيم لجمع المعطيات الميدانية وقياس مطابقة المؤسسات لمعايير منح “شارة الريادة”، إضافة إلى مبلغ آخر يناهز 2.2 مليار سنتيم للتحقق من نتائج التقييمات وتصحيح الاختبارات.
ويرى فاعلون تربويون أن اللجوء إلى مكاتب دراسات خاصة، بما فيها مؤسسات أجنبية في بعض الحالات، يثير تساؤلات حول جدوى هذه الاختيارات في ظل وجود مؤسسات وطنية مختصة بالتقييم التربوي تتوفر على الخبرة والموارد البشرية لإنجاز هذه المهام.
كما يحذر عدد من الفاعلين التربويين من أن تعدد المتدخلين في تقييم المشروع قد يؤثر على انسجام عملية التتبع والتقويم، ويصعب بناء صورة دقيقة حول مدى تأثيره على جودة التعلمات داخل الفصول الدراسية.
في المقابل، تؤكد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أن المشروع يستند إلى مقاربات تربوية حديثة، ويهدف إلى إحداث تحول نوعي في أداء المدرسة العمومية.
وفي هذا السياق، أعلن الوزير محمد سعد برادة عن مواصلة تطوير البرنامج، خاصة عبر تسريع التحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية.
وتشمل هذه الخطة تجهيز نحو 34 ألف حجرة دراسية بمعدات رقمية حديثة، والعمل على ربط المؤسسات التعليمية بشبكة الإنترنت، إلى جانب إطلاق منصات رقمية مجانية موجهة لتعلم العربية والأمازيغية واللغات الأجنبية.
كما تعتزم الوزارة توسيع نطاق المشروع خلال السنوات المقبلة، من خلال إدماج حوالي 2000 مدرسة ابتدائية إضافية ونحو 500 مؤسسة بالسلك الثانوي الإعدادي، في أفق تعميم التجربة تدريجيا داخل المنظومة التربوية.
ويأتي هذا التوسع، وفق المعطيات الرسمية، في إطار مواصلة أوراش موازية تستهدف الحد من الهدر المدرسي وتعزيز الدعم التربوي والاجتماعي، خاصة في المناطق التي تعاني من الهشاشة.
لكن استمرار الجدل حول حكامة المشروع وآليات تقييمه يضع “مدارس الريادة” أمام تحديات مرتبطة بضرورة تعزيز الشفافية، وتوضيح الاختيارات المؤسساتية، وضمان نجاعة الإنفاق العمومي داخل ورش تراهن عليه الوزارة في إصلاح المدرسة العمومية.