هاشتاغ _ خالد بوبكري
تفتح مبادرة توحيد أحزاب اليسار في المغرب، التي أطلقها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، باب نقاش سياسي واسع حول فرص بناء جبهة يسارية موحدة قادرة على استرجاع شيء من حضورها المفقود داخل الحقل الحزبي.
المبادرة كما قدمها زعيم حزب الكتاب، تروم تجاوز منطق التحالفات الانتخابية الموسمية والانتقال نحو إطار أوسع يجمع مكونات اليسار حول مشروع سياسي مشترك يستجيب لتطلعات فئة من المغاربة الباحثين عن بديل له وزن ومصداقية.
وعلى مستوى الخطاب تبدو الفكرة مغرية، يسار موحد رؤية مشتركة بديل سياسي وأفق جديد.
إنها صورة تستهوي الخيال السياسي وتوقظ حنيناً قديماً إلى مرحلة كان فيها اليسار رقما صعبا في الحياة العامة، لكن السياسة لا تدبر بالرغبات، ولا تُبنى بالحنين، ولا تصنع بخطب دافئة تلقى في المنصات ثم تنطفئ مع أول اختبار جدي.
وهنا تبدأ العقدة الحقيقية.
الدعوة إلى توحيد اليسار تصطدم قبل أي شيء بواقع تنظيمي مأزوم وببنية حزبية أنهكها طول الإقامة في المواقع نفسها، إذ أن عدد من الأحزاب اليسارية تحولت مع الوقت إلى بيوت مغلقة بإحكام تتحرك فيها القيادات القديمة بعقلية الوصي لا بعقلية الشريك.
زعامات التصقت بالكراسي حتى صار الحزب عند بعضهم امتدادا شخصيا وعائليا، وصار التنظيم يدور حول الاسم أكثر مما يدور حول الفكرة.
وفي مثل هذا المناخ تبدو الوحدة أشبه بعملية جراحية معقدة داخل جسد يرفض أصحابه الاعتراف أصلاً بوجود المرض.
فأولى العقبات تكمن في هذه القيادات التي استهلكت سنوات طويلة في إدارة أحزابها بمنطق التحكم الصارم، حتى صار الحديث عن قيادة جديدة أو جماعية أو ذوبان داخل إطار موحد أقرب إلى إعلان حرب على نفوذها.
إن الزعيم الذي اعتاد احتكار القرار، وتوزيع الأدوار، وضبط الإيقاع داخل حزبه، لن يسلم بسهولة مفاتيح المقر إلى مشروع مشترك قد يقلص سلطته أو يضعه في الصف الثاني.
وهنا تسقط كثير من شعارات الوحدة قبل أن تصل إلى باب التطبيق.
ثم تأتي حسابات التنظيم والانتخابات لتزيد الصورة قتامة، حيث أن كل حزب يرفع راية الوحدة في البلاغات، ثم يعود إلى حساب مقاعده، ورمزه، ومرشحيه، وخرائط نفوذه الصغيرة.
كل قيادة تتحدث عن المصلحة الكبرى، ثم تسارع إلى حماية غنيمتها الخاصة، لذلك تبقى مبادرات التوحيد معلقة بين لذة الشعار ومرارة الواقع لأن الإرادة السياسية الحقيقية تغيب كلما اقتربت لحظة التضحية أو التنازل.
إن العلاقات بين قيادات اليسار بدورها تحمل من الحساسيات ما يكفي لإغراق أي مشروع وحدوي في مياهه الأولى، فسنوات التنافس والانشقاقات والخلافات القديمة راكمت شكوكا متبادلة، وخلقت ذاكرة حزبية مثقلة بالجراح الصغيرة والكبيرة، حتى صار بعضهم لا يثق في بعض، وبعضهم لا يطيق رؤية بعض، وبعضهم ما يزال يدير الحاضر بعقلية تصفية حسابات قديمة.
وفي هكذا مناخ، كيف يمكن بناء حد أدنى من الثقة الضرورية لأي وحدة يسارية؟
وحتى على المستوى الفكري لم يعد اليسار المغربي كتلة متماسكة، فهناك تباعد في الرؤى وتفاوت في الأولويات واختلاف في فهم موقع اليسار نفسه داخل معادلة السلطة والمعارضة والإصلاح، وكل طرف يعتقد أنه الأقرب إلى جوهر الفكرة وكل زعيم يرى في نفسه الحارس الشرعي لتركة اليسار.
وعندما تتحول المرجعية الواحدة إلى قراءات متصارعة يصبح جمعها في بيت واحد مهمة تقترب من المستحيل.
والحقيقة القاسية أن أزمة اليسار في المغرب لا تبدأ من ضعف الفكرة وإنما من تضخم الذوات التي تتحدث باسمه حيث أن اليسار يملك خطابا ويملك ذاكرةوتاريخ ويملك رصيدا رمزياً، لكنه يفتقد الجرأة على الانقلاب على أعطابه الداخلية.
ويفتقد شجاعة القول إن الزعامة الطويلة خنقت الروح، وإن الأحزاب التي ترفع شعار التحرر لم تتحرر بعد من سطوة الشيوخ السياسيين الذين يمسكون بأعناقها.
لهذا تبدو مبادرة توحيد اليسار جذابة على الورق عسيرة في الواقع ومؤجلة في الحسابات فالذين يرفعون شعار الوحدة يعرفون جيداً أن أكبر خصم لهذا المشروع لا يوجد في خصومهم السياسيين، وإنما داخل بيوتهم الحزبية نفسها، حيث أن الكرسي أقوى من الفكرة والزعيم أكبر من التنظيم والواجهة أهم من المشروع.
من هنا فإن أي حديث عن يسار موحد يمر أولاً عبر معركة داخلية مؤلمة. معركة تجديد الوجوه وتفكيك عقلية الزعيم الأبدي وفتح الأبواب أمام قيادة جديدة تؤمن أن الحزب وسيلة لخدمة الفكرة لا وسيلة لحراسة النفوذ.
دون هذا التحول ستظل الوحدة شعارا جميلا يرفع في الندوات ثم يعود كل طرف إلى مقره مطمئنا إلى أن يرث الله الأرضى ومن عليها.
وهكذا يبدو أن اليسار المغربي عالق اليوم بين رغبة معلنة في الوحدة وخوف دفين منها، فهو يريد جبهة كبيرة بعقلية أحزاب صغيرة ويريد مشروعاً جماعيا بقيادات فردية ويريد استعادة الحضور بالأدوات نفسها التي قادته إلى الهامش.. وهذه هي المهمة المستحيلة بعينها.