هاشتاغ
لم تكن قضية تصريح وزير الصناعة والتجارة رياض مزور مجرد “زلة لسان” عابرة كما حاول البعض تسويقها، بل تحولت بسرعة إلى صفعة رمزية في وجه آلاف المغاربة المقيمين بالخارج الذين شعروا بأن خطاباً متعالياً صدر من مسؤول يفترض فيه أن يمثلهم لا أن يستخف بتضحياتهم.
فالجملة التي أشعلت العاصفة لم تكن مجرد كلمات عابرة في لقاء عمومي، بل كانت اختزالاً مؤلماً لنظرة بيروقراطية باردة تجاه فئة تعتبر أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
المفارقة أن الغضب الشعبي لم يأت من فراغ. فالجالية المغربية ليست مجرد رقم في تقارير التحويلات المالية السنوية، بل هي ملايين من العمال والسائقين والحرفيين والتجار الذين يحملون المغرب في قلوبهم ويبعثون الأمل إلى أسرهم من وراء البحار. هؤلاء لم يطالبوا يوماً بامتيازات خيالية، بل فقط بالاحترام.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول عبارة واحدة إلى شرارة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الجرح كان أعمق من مجرد سوء تعبير.
لكن ما زاد الطين بلة لم يكن التصريح فقط، بل الارتباك الفاضح في إدارة الأزمة. فالصمت الأولي فتح الباب أمام التأويلات، ثم جاءت التوضيحات متأخرة وبصيغة بدت للبعض وكأنها محاولة للهروب من المسؤولية أكثر من كونها اعتذاراً صريحاً.
وفي عالم الإعلام الرقمي، حيث تنتشر الكلمات أسرع من النار في الهشيم، فإن التأخر في الاعتذار يشبه محاولة إطفاء حريق بعد أن التهم نصف الغابة.
الأكثر إثارة للدهشة هو ذلك الجيش الصغير من المبررين الذين حاولوا تحويل القضية إلى “سوء فهم” أو إلى مزحة قيلت في أجواء “ودية”. بل وصل الأمر ببعضهم إلى درجة المبالغة في الدفاع عن الوزير بطريقة بدت أقرب إلى التملق منها إلى النقاش العقلاني. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في الثقافة السياسية: عندما يصبح الدفاع الأعمى عن المسؤول أهم من الدفاع عن كرامة المواطن.
القضية اليوم لم تعد مرتبطة فقط باسم مزور، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة أعمق في الخطاب السياسي المغربي. فالمسؤول العمومي في زمن الشبكات الاجتماعية لم يعد يتحدث داخل قاعة مغلقة، بل أمام ملايين المواطنين الذين ينتظرون خطاباً مسؤولاً يحترم عقولهم وتضحياتهم، وأي كلمة غير محسوبة قد تتحول إلى قنبلة إعلامية تطيح بكل محاولات الترميم اللاحقة.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه العاصفة: هل يدرك بعض المسؤولين أن المنصب ليس امتيازاً بل مسؤولية ثقيلة؟ لأن المغاربة، داخل الوطن وخارجه، لم يعودوا يقبلون أن يُخاطَبوا بنبرة الوصاية أو الاستعلاء. زمن الصمت انتهى، وزمن المحاسبة الشعبية بدأ… والكلمة التي تجرح لن يمحوها اعتذار متأخر بسهولة.