مريم فراسي/هاشتاغ
لم يولد اليوم العالمي للمرأة من باقات الزهور ولا من كلمات المجاملة، بل خرج من شوارع غاضبة ومصانع صاخبة، حين قررت النساء قبل أكثر من قرن أن الصمت لم يعد خيارًا.
كان ذلك في زمن كانت فيه المرأة تعمل لساعات طويلة بأجور زهيدة، بلا حقوق سياسية ولا حماية اجتماعية. عندها فقط بدأت الشرارة التي ستغيّر التاريخ.
في عام 1908، خرجت آلاف العاملات في نيويورك إلى الشوارع، متحديات القمع واللامبالاة، مطالبات بحقوق بسيطة لكنها كانت آنذاك تبدو ثورية: عمل عادل، أجر كريم، وصوت في صناديق الاقتراع.
لم يكن ذلك مجرد احتجاج عابر، بل كان إعلانًا صريحًا أن المرأة لم تعد تقبل أن تكون على هامش المجتمع.
لم تمضِ سنوات قليلة حتى تحولت تلك المطالب إلى حركة عالمية. ففي 1910، طرحت الناشطة الألمانية كلارا زيتكين فكرة تخصيص يوم عالمي للمرأة، يوم تقف فيه النساء في كل مكان صفًا واحدًا للمطالبة بحقوقهن.
لم تكن الفكرة رمزية، بل كانت دعوة صريحة إلى تغيير موازين القوى في المجتمع.
وعندما جاء عام 1911، خرج أكثر من مليون امرأة ورجل في أوروبا إلى الشوارع، في مشهد غير مسبوق. كانت الرسالة واضحة: العالم يتغير، والنساء لن يعدن إلى الظل.
لكن اللحظة الأكثر اشتعالًا جاءت في روسيا عام 1917، عندما خرجت عاملات النسيج في احتجاجات ضخمة تحت شعار «الخبز والسلام».
لم تكن تلك المظاهرات مجرد مطلب اقتصادي، بل كانت شرارة ثورة أطاحت بالنظام القيصري نفسه. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الثامن من مارس رمزًا عالميًا لقوة المرأة عندما تقرر أن تغيّر الواقع
.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، تحولت هذه الذكرى إلى مناسبة عالمية يحتفل بها العالم. لكن الحقيقة التي لا يجب أن تُنسى هي أن 8 مارس ليس يوم مجاملة للمرأة، بل يوم تذكير بتاريخ من المقاومة. فالكثير من الحقوق التي تبدو بديهية اليوم — من التعليم إلى العمل والتمثيل السياسي — لم تُمنح للنساء بسهولة، بل انتُزعت عبر نضال طويل.
ورغم التقدم الكبير، لا تزال المعركة مستمرة. فجوة الأجور، وضعف التمثيل في مواقع القرار، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كلها تحديات تذكّرنا بأن الطريق نحو المساواة الكاملة لم ينتهِ بعد.
لهذا فإن الثامن من مارس ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل صرخة متجددة تقول إن المجتمعات لا تتقدم عندما تُهمَّش نصف طاقاتها. وعندما تُمنح النساء الفرصة الكاملة للمشاركة، فإن التاريخ نفسه يتغير.
إنه يوم يذكّر العالم بحقيقة واحدة: عندما ترفع النساء أصواتهن… يتغيّر العالم.